مفاتيح الغيب، ج ١٤، ص : ٣٢٧
الشاقة مثل ضرب اللبن ونقل التراب فعند هذا الكلام قال فرعون : إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ وفيه بحثان :
البحث الاول : ان لقائل ان يقول : كيف قال له : فَأْتِ بِها بعد قوله : إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ وجوابه : ان كنت جئت من عند من أرسلك بآية فاتنى بها وأحضرها عندي ليصح دعواك ويثبت صدقك والبحث الثاني : ان قوله : إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ جزاء وقع بين شرطين فكيف حكمه؟ وجوابه ان نظيره قوله : ان دخلت الدار فأنت طالق ان كلمت زيدا. وهاهنا المؤخر في اللفظ يكون متقدما في المعنى وقد سبق تقرير هذا المعنى فيما تقدم.
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٠٧ إلى ١١٠]
فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (١٠٧) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ (١٠٨) قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَما ذا تَأْمُرُونَ (١١٠)
اعلم ان فرعون لما طالب موسى عليه السلام بإقامة البينة على صحة نبوته بين اللّه تعالى ان معجزته كانت قلب العصا ثعبانا واظهار اليد البيضاء والكلام في هذه الآية يقع على وجوه : الاول : ان جماعة الطبيعيين ينكرون إمكان انقلاب العصا ثعبانا وقالوا : الدليل على امتناعه ان تجويز انقلاب العصا ثعبانا يوجب ارتفاع الوثوق عن العلوم الضرورية وذلك باطل وما يفضي إلى الباطل فهو باطل. انما قلنا : ان تجويزه يوجب ارتفاع الوثوق على العلوم الضرورية وذلك لأنا لو جوزنا ان يتولد الثعبان العظيم من العصا الصغيرة لجوزنا ايضا ان يتولد الإنسان الشاب القوي عن التبنة / الواحدة والحبة الواحدة من الشعير ولو جوز ذلك لجوزناه في هذا الإنسان الذي نشاهده الآن انه انما حدث الآن دفعة واحدة لا من الأبوين ولجوزنا في زيد الذي نشاهده الآن انه ليس هو زيد الذي شاهدناه بالأمس بل هو شخص آخر حدث الآن دفعة واحدة ومعلوم ان من فتح على نفسه أبواب هذه التجويزات فان جمهور العقلاء يحكمون عليه بالخبل والعته والجنون ولان لو جوزنا ذلك لجوزنا ان يقال : ان الجبال انقلبت ذهبا ومياه البحار انقلبت دما ولجوزنا في التراب الذي كان في مزبلة البيت انه انقلب دقيقا وفي الدقيق الذي كان في البيت انه انقلب ترابا وتجويز أمثال هذه الأشياء مما يبطل العلوم الضرورية ويوجب دخول الإنسان في السفسطة وذلك باطل قطعا فما يفضى اليه كان ايضا باطلا.
فان قال قائل : تجويز أمثال هذه الأشياء مختص بزمان دعوة الأنبياء وهذا لزمان ليس كذلك فقد حصل الامان في هذا الزمان عن تجويز هذه الأحوال.
فالجواب عنه من وجوه : الاول : ان هذا التجويز إذا كان قائما في الجملة كان تخصيص هذا التجويز بزمان دون زمان مما لا يعرف الا بدليل غامض فكان يلزم ان يكون الجاهل بذلك الدليل الغامض جاهلا باختصاص ذلك التجويز بذلك الزمان المعين فكان يلزم من جمهور العقلاء الذين لا يعرفون ذلك الدليل الغامض ان يجوزوا كل ما ذكرناه من الجهات وان لا يكونوا قاطعين بامتناع وقوعها وحيث نراهم قاطعين


الصفحة التالية
Icon