مفاتيح الغيب، ج ١٤، ص : ٣٣٠
واعلم انه لما كان البياض كالعيب بين اللّه تعالى في غير هذه الأيد انه كان من غير سوء.
فان قيل : بم يتعلق قوله : لِلنَّاظِرِينَ.
قلنا : يتعلق بقوله : بَيْضاءُ والمعنى : فإذا هي بيضاء للنظارة ولا تكون بيضاء للنظارة الا إذا كان بياضها بياضا عجيبا خارجا عن العادة يجتمع الناس للنظر اليه كما تجتمع النظارة للعجائب. وبقي هاهنا مباحث :
فأولها : ان انقلاب العصا ثعبانا من كم وجه يدل على المعجز؟ والثاني : ان هذا المعجز كان أعظم أم اليد البيضاء؟ وقد استقصينا الكلام في هذين المطلوبين في سورة طه. والثالث : ان المعجز الواحد كان كافيا.
فالجمع بينهما كان عبثا.
وجوابه : ان كثرة الدلائل توجب القوة في اليقين وزوال الشك ومن الملحدين من قال : المراد بالثعبان وباليد البيضاء شيء واحد وهو ان حجة موسى عليه السلام كانت قوية ظاهرة قاهرة فتلك الحجة من حيث انها أبطلت اقوال المخالفين وأظهرت فسادها كانت كالثعبان العظيم الذي يتلقف حجج المبطلين ومن حيث كانت ظاهرة في نفسها وصفت باليد البيضاء كما يقال في العرف : لفلان يد بيضاء في العلم الفلاني اى قوة كاملة ومرتبة ظاهرة. واعلم ان حمل هذين المعجزين على هذا الوجه يجري مجرى دفع التواتر وتكذيب اللّه ورسوله. ولما بينا ان انقلاب العصا حية امر ممكن في نفسه فأي حامل يحملنا على المصير إلى هذا التأويل؟ ولما ذكر اللّه تعالى ان موسى عليه السلام اظهر هذين النوعين من المعجزات. حكى عن قوم فرعون انهم قالوا : إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ وذلك لان السحر كان غالبا في ذلك الزمان ولا شك ان مراتب السحرة كانت متفاضلة متفاوتة ولا شك انه يحصل فيهم من يكون غاية في ذلك العلم ونهاية فيه فالقوم زعموا ان موسى عليه السلام لكونه في النهاية من علم السحر اتى بتلك الصفة ثم ذكروا انه انما اتى بذلك السحر لكونه طالبا للملك والرياسة.
فان قيل : قوله : إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ حكاه اللّه تعالى في سورة الشعراء انه قاله فرعون لقومه وحكى هاهنا ان قوم فرعون قالوه فكيف الجمع بينهما؟ وجوابه من وجهين : الاول : لا يمتنع انه قد قاله هو وقالوه هم فحكى اللّه تعالى قوله ثم وقولهم هاهنا والثاني : لعل فرعون قاله ابتداء / فتلقنه الملا منه فقالوه لغيره او قالوه عنه لسائر الناس على طريق التبليغ فان الملوك إذا رأوا رأيا ذكروه للخاصة وهم يذكرونه للعامة فكذا هاهنا.
واما قوله : فَما ذا تَأْمُرُونَ فقد ذكر الزجاج فيه ثلاثة أوجه : الاول : ان كلام الملا من قوم فرعون تم عند قوله : يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ ثم عند هذا الكلام قال فرعون مجيبا لهم : فَما ذا تَأْمُرُونَ واحتجوا على صحة هذا القول بوجهين : أحدهما : ان قوله : فَما ذا تَأْمُرُونَ خطاب للجمع لا للواحد فيجب ان يكون هذا كلام فرعون للقوم. اما لو جعلناه كلام القوم مع فرعون لكانوا قد خاطبوه بخطاب الواحد لا بخطاب الجمع. وأجيب عنه : بانه يجوز ان يكونوا خاطبوه بخطاب الجمع تفخيما لشأنه لان العظيم انما يكنى عنه بكناية الجمع كما في قوله تعالى : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ [الحجر : ٩] إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً [نوح : ١] إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر : ١].
والحجة الثانية : انه تعالى لما ذكر قوله : فَما ذا تَأْمُرُونَ قال بعده : قالُوا أَرْجِهْ ولا شك ان هذا كلام