مفاتيح الغيب، ج ١٤، ص : ٣٣١
القوم وجعله جوابا عن قولهم فَما ذا تَأْمُرُونَ فوجب ان يكون القائل لقوله : فَما ذا تَأْمُرُونَ غير الذي قالوا ارجه وذلك يدل على ان قوله : فَما ذا تَأْمُرُونَ كلام لغير الملا من قوم فرعون. وأجيب عنه : بانه لا يبعد ان القوم قالوا : إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ ثم قالوا لفرعون ولا كابر خدمه فَما ذا تَأْمُرُونَ ثم اتبعوه بقولهم :
أَرْجِهْ وَأَخاهُ فان الخدم والاتباع يفوضون الأمر والنهي إلى المخدوم والمتبوع أولا ثم يذكرون ما حضر في خواطرهم من المصلحة.
والقول الثاني : ان قوله : فَما ذا تَأْمُرُونَ من بقية كلام القوم واحتجوا عليه بوجهين : الاول : انه منسوق على كلام القوم من غير فاصل فوجب ان يكون ذلك من بقية كلامهم. والثاني : ان الرتبة معتبرة في الأمر فوجب ان يكون قوله : فَما ذا تَأْمُرُونَ خطابا من الأدنى مع الأعلى وذلك يوجب ان يكون هذا من بقية كلام فرعون معه.
وأجيب عن هذا الثاني : بان الرئيس المخدوم قد يقول للجمع الحاضر عنده من رهطه ورعيته ماذا تأمرون؟ ويكون غرضه منه تطييب قلوبهم وإدخال السرور في صدورهم وان يظهر من نفسه كونه معظما لهم ومعتقدا فيهم ثم ان القائلين بان هذا من بقية كلام قوم فرعون ذكروا وجهين : أحدهما : ان المخاطب بهذا الخطاب هو فرعون وحده فانه يقال للرئيس المطاع ما ترون في هذه الواقعة اى ما ترى أنت وحدك والمقصود انك وحدك قائم مقام الجماعة. والغرض منه التنبيه على كماله ورفعة شانه وحاله. والثاني : ان يكون المخاطب بهذا الخطاب هو فرعون وأكابر دولته وعظماء حضرته لأنهم هم المستقلون بالأمر والنهى واللّه اعلم.
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١١١ إلى ١١٤]
قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (١١١) يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ (١١٢) وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (١١٣) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (١١٤)
[في قوله تعالى قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ ] اعلم ان في الآية مسائل :
المسألة الاولى : قرا نافع والكسائي أَرْجِهْ بغير همز وكسر الهاء والإشباع وقرا عاصم وحمزة أَرْجِهْ بغير الهمز وسكون الهاء. وقرا ابن كثير وابن عامر وابو عمر وارجئه بالهمز وضم الهاء ثم ان ابن كثير أشبع الهاء على أصله والباقون لا يشبعون. قال الواحدي : رحمه اللّه أَرْجِهْ مهموز وغير مهموز لغتان يقال أرجأت الأمر وارجيته إذا أخرته ومنه قوله تعالى : وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ [التوبة : ١٠٦] وتُرْجِي مَنْ تَشاءُ [الأحزاب : ٥١] قرئ في الآيتين باللغتين واما قراءة عاصم وحمزة بغير الهمز وسكون الهاء فقال الفراء : هي لغة العرب يقفون على الهاء المكنى عنها في الوصل إذا تحرك ما قبلها وانشد :
فيصلح اليوم ويفسده غدا
قال وكذلك يفعلون بهاء التأنيث فيقولون : هذه طلحة قد أقبلت وانشد لما رأى ان لا دعه ولا شبع


الصفحة التالية
Icon