مفاتيح الغيب، ج ١٤، ص : ٣٣٣
مجيء موسى عليه السلام.
اما قوله : يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ ففيه مسائل :
المسألة الاولى : قرا حمزة والكسائي بكل سحار والباقون بكل ساحر فمن قرا سحار فحجته انه قد وصف بعليم ووصفه به يدل على تناهيه فيه وحذقه به فحسن لذلك ان يذكر بالاسم الدال على المبالغة في السحر ومن قرا ساحر فحجته قوله : وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ [الأعراف : ١٢٠] ولَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ [الشعراء :
٤٠] والسحرة جمع ساحر مثل كتبه وكاتب وفجرة وفاجر. واحتجوا ايضا بقوله : سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ [الأعراف : ١١٦] واسم الفاعل من سحروا ساحر.
المسألة الثانية : الباء في قوله : بِكُلِّ ساحِرٍ يحتمل ان تكون بمعنى مع ويحتمل ان تكون باء التعدية.
واللّه اعلم.
المسألة الثالثة : هذه الآية تدل على ان السحرة كانوا كثيرين في ذلك الزمان وهذا يدل على صحة ما يقوله المتكلمون من انه تعالى يجعل معجزة كل نبي من جنس ما كان غالبا على اهل ذلك الزمان فلما كان السحر غالبا على اهل زمان موسى عليه السلام كانت معجزته شبيهة بالسحر وان كان مخالفا للسحر في الحقيقة ولما كان الطب غالبا على اهل زمان عيسى عليه السلام كانت معجزته من جنس الطب ولما كانت الفصاحة غالبة على اهل زمان محمد عليه الصلاة والسلام لا جرم كانت معجزته من جنس الفصاحة.
ثم قال تعالى : وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ وفيه مسائل :
المسألة الاولى : قرا نافع وابن كثير وحفص عن عاصم إِنَّ لَنا لَأَجْراً بكسر الالف على الخبر والباقون على الاستفهام ثم اختلفوا فقرا ابو عمرو بهمزة ممدودة على أصله والباقون بهمزتين قال الواحدي رحمه اللّه : الاستفهام احسن في هذا الموضع لأنهم أرادوا ان يعلموا هل لهم اجر أم لا؟ ويقطعون على ان لهم الأجر ويقوي ذلك إجماعهم في سورة الشعراء على الهمز للاستفهام وحجة نافع وابن كثير على انهما أرادا همزة الاستفهام ولكنهما حذفا ذلك من اللفظ وقد تحذف همزة الاستفهام من اللفظ وان كانت باقية في المعنى كقوله تعالى : وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ [الشعراء : ٢٢] فانه يذهب كثير من الناس إلى ان معناه او تلك بالاستفهام وكما في قوله : هذا رَبِّي [الانعام : ٧٨] والتقدير أهذا ربي وقيل : ايضا المراد ان السحرة اثبتوا لأنفسهم اجرا عظيما لأنهم قالوا : لا بد لنا من اجر والتنكير للتعظيم كقول العرب : ان له لإبلا وان له لغنما يقصدون الكثرة.
المسألة الثانية : لقائل ان يقول : هلا قل : وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا وجوابه : هو على تقدير : سائل سال : ما قالوا إذ جاءوه.
فأجيب بقوله : قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً اي جعلا على الغلبة.
فان قيل : قوله : وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ معطوف وما المعطوف عليه؟
وجوابه : انه معطوف على محذوف سد مسده حرف الإيجاب كأنه قال إيجابا لقولهم ان لنا لاجرا نعم ان لكم لاجرا وانكم لمن المقربين. أراد اني لا اقتصر بكم على الثواب بل أزيدكم عليه وتلك الزيادة


الصفحة التالية
Icon