مفاتيح الغيب، ج ١٤، ص : ٣٣٤
انى أجعلكم من المقربين عندي. قال المتكلمون : وهذا يدل على ان الثواب انما يعظم موقعه إذا كان مقرونا بالتعظيم والدليل عليه ان فرعون لما وعدهم بالأجر قرن به ما يدل على التعظيم وهو حصول القربة.
المسألة الثالثة : الآية تدل على ان كل الخلق كانوا عالمين بان فرعون كان عبدا ذليلا مهينا عاجزا والا لما احتاج إلى الاستعانة بالسحرة في دفع موسى عليه السلام وتدل ايضا على ان السحرة ما كانوا قادرين على قلب الأعيان والا لما احتاجوا إلى طلب الأجر والمال من فرعون لأنهم لو قدروا على قلب الأعيان فلم لم يقلبوا التراب ذهبا ولم لم ينقلوا ملك فرعون إلى أنفسهم ولم لم يجعلوا أنفسهم ملوك العالم ورؤساء الدنيا والمقصود من هذه الآيات تنبيه الإنسان لهذه الدقائق وان لا يغتر بكلمات اهل الأباطيل والأكاذيب. واللّه اعلم.
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١١٥ إلى ١١٩]
قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥) قالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦) وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (١١٧) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ (١١٩)
[في قوله تعالى قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ ] في الآية مسائل :
المسألة الاولى : قال الفراء والكسائي : في باب «اما واما» إذا كنت آمرا او ناهيا او مخبرا فهي مفتوحة وإذا كنت مشترطا او شاكا او مخيرا فهي مكسورة تقول في المفتوحة اما اللّه فاعبدوه واما الخمر فلا تشربوها واما زيد فقد خرج.
واما النوع الثاني : فتقول : إذا كنت مشترطا اما تعطين زيدا فانه يشكرك قال اللّه تعالى : فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ [الأنفال : ٥٧] وتقول في الشك لا ادرى من قام اما زيد واما عمرو وتقول في التخيير لي بالكوفة دار فاما ان أسكنها واما ان أبيعها والفرق بين اما إذا أتت للشك وبين او انك إذا قلت جاءني زيد او عمرو فقد يجوز ان تكون قد بنيت كلامك على اليقين ثم أدرك الشك فقلت او عمرو فصار الشك فيهما جميعا فأول الاسمين في «او» يجوز ان يكون بحيث يحسن السكوت عليه ثم يعرض الشك فتستدرك بالاسم الآخر الا ترى انك تقول : قام أخوك وتسكت ثم تشك فتقول : او أبوك وإذا ذكرت اما فإنما تبني كلامك من أول الأمر على الشك وليس يجوز ان تقول ضربت اما عبد اللّه وتسكت واما دخول (ان) في قوله : إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وسقوطها من قوله : إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ [التوبة : ١٠٦] فقال الفراء :
ادخل (ان) في إِمَّا في هذه الآية لأنها في موضع امر بالاختيار وهي في موضع نصب كقول القائل : اختر ذا او ذا كأنهم قالوا اختر ان تلقي او نلقى وقوله : إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ليس فيه امر بالتخيير الا ترى ان الأمر لا يصلح هاهنا فلذلك لم يكن فيه «ان» واللّه اعلم.
المسألة الثانية : قوله : إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ يريد عصاه وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ اي ما معنا من الحبال والعصي فمفعول الإلقاء محذوف وفي الآية دقيقة اخرى وهي ان القوم راعوا حسن الأدب حيث قدموا موسى