مفاتيح الغيب، ج ١٤، ص : ٣٣٥
عليه السلام في الذكر وقال اهل التصوف انهم لما راعوا هذا الأدب لا جرم رزقهم اللّه تعالى الايمان ببركة رعاية هذا الأدب ثم ذكروا ما يدل على رغبتهم في ان يكون ابتداء الإلقاء من جانبهم وهو قولهم : وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ لأنهم ذكروا الضمير المتصل وأكدوه بالضمير المنفصل وجعلوا الخبر معرفة لا نكرة واعلم ان القوم لما راعوا الأدب أولا وأظهروا ما يدل على رغبتهم في الابتداء بالإلقاء قال موسى عليه السلام : القوا ما أنتم ملقون وفيه سؤال : وهو ان القاءهم حبالهم وعصيهم معارضة للمعجزة بالسحر وذلك كفر والأمر بالكفر كفر وحيث كان كذلك فكيف يجوز لموسى عليه السلام ان يقول القوا؟
والجواب عنه من وجوه : الاول : انه عليه الصلاة والسلام انما أمرهم بشرط ان يعلموا في فعلهم ان يكون حقا فإذا لم يكن كذلك فلا امر هناك كقول القائل منا لغيره اسقني الماء من الجرة فهذا الكلام انما يكون امرا بشرط حصول الماء في الجرة فاما إذا لم يكن فيها ماء فلا امر البتة كذلك هاهنا. الثاني : ان القوم انما جاءوا لإلقاء تلك الحبال والعصي وعلم موسى عليه السلام انهم / لا بد وان يفعلوا ذلك وانما وقع التخيير في التقديم والتأخير فعند ذلك اذن لهم في التقديم ازدراء لشأنهم وقلة مبالاة بهم وثقة بما وعده اللّه تعالى به من التأييد والقوة وان المعجزة لا يغلبها سحر ابدا. الثالث : انه عليه الصلاة والسلام كان يريد ابطال ما أتوا به من السحر وإبطاله ما كان يمكن الا باقدامهم على إظهاره فاذن لهم في الإتيان بذلك السحر ليمكنه الاقدام على إبطاله ومثاله ان من يريد سماع شبهة ملحد ليجيب عنها ويكشف عن ضعفها وسقوطها يقول له هات وقل واذكرها وبالغ في تقريرها ومراده منه انه إذا أجاب عنها بعد هذه المبالغة فانه يظهر لكل احد ضعفها وسقوطها فكذا هاهنا. واللّه اعلم.
ثم قال تعالى : فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ واحتج به القائلون بان السحر محض التمويه. قال القاضي : لو كان السحر حقا لكانوا قد سحروا قلوبهم لا أعينهم؟ فثبت ان المراد انهم تخيلوا أحوالا عجيبة مع ان الأمر في الحقيقة ما كان على وفق ما تخيلوه. قال الواحدي : بل المراد سحروا أعين الناس اي قلبوها عن صحة ادراكها بسبب تلك التمويهات وقيل انهم أتوا بالحبال والعصي ولطخوا تلك الحبال بالزئبق وجعلوا الزئيق في دواخل تلك العصي فلما اثر تسخين الشمس فيها تحركت والتوى بعضها على بعض وكانت كثيرة جدا فالناس تخيلوا انها تتحرك وتلتوي باختيارها وقدرتها.
واما قوله : وَاسْتَرْهَبُوهُمْ فالمعنى : ان العوام خافوا من حركات تلك الحبال والعصي قال المبرد :
اسْتَرْهَبُوهُمْ ارهبوهم والسين زائدة. قال الزجاج : استدعوا رهبة الناس حتى رهبهم الناس وذلك بان بعثوا جماعة ينادون عند إلقاء ذلك : ايها الناس احذروا فهذا هو الاسترهاب. وروى عن ابن عباس رضي اللّه عنهما : انه خيل إلى موسى عليه السلام ان حبالهم وعصيهم حيات مثل عصا موسى فأوحى اللّه عز وجل اليه أَنْ أَلْقِ عَصاكَ قال المحققون : ان هذا غير جائز لأنه عليه السلام لما كان نبيا من عند اللّه تعالى كان على ثقة ويقين من ان القوم لم يغالبوه وهو عالم بان ما أتوا به على وجه المعارضة فهو من باب السحر والباطل ومع هذا الجزم فانه يمتنع حصول الخوف.
فان قيل : أليس انه تعالى قال : فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى [طه : ٦٧] قلنا : ليس في الآية ان هذه الخيفة انما حصلت لأجل هذا السبب بل لعله عليه السلام خاف من وقوع


الصفحة التالية
Icon