مفاتيح الغيب، ج ١٤، ص : ٣٣٦
التأخير في ظهور حجة موسى عليه السلام على سحرهم.
ثم انه تعالى قال في صفة سحرهم : وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ روى ان السحرة قالوا قد علمنا / سحرا لا يطيقه سحرة اهل الأرض الا ان يكون امرا من السماء فانه لا طاقة لنا به. وروى انهم كانوا ثمانين الفا. وقيل :
سبعين الفا. وقيل : بضعة وثلاثين الفا. واختلفت الروايات فمن مقل ومن مكثر وليس في الآية ما يدل على المقدار والكيفية والعدد.
ثم قال تعالى : وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ يحتمل ان يكون المراد من هذا الوحى حقيقة الوحي. وروى الواحدي عن ابن عباس : انه قال : يريد وألهمنا موسى ان الق عصاك.
ثم قال : فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ وفيه مسائل :
المسألة الاولى : فيه حذف وإضمار والتقدير (فألقاها فإذا هي تلقف) المسألة الثانية : قرا حفص عن عاصم تَلْقَفُ ساكنة اللام خفيف القاف والباقون بتشديد القاف مفتوحة اللام. وروي عن ابن كثير. تلقف بتشديد القاف وعلى هذا الخلاف في طه والشعراء. اما من خفف فقال ابن السكيت : اللقف مصدر لقفت الشيء ألقفه لقفا إذا أخذته فأكلته او ابتلعته ورجل لقف سريع الأخذ وقال اللحياني : ومثله ثقف يثقف ثقفا وثقيف كلقيف بين الثقافة والقافة واما القراءة بالتشديد فهو من تلقف يتلقف واما قراءة ابن كثير فأصلها تتلقف ادغم احدى التاءين في الاخرى.
المسألة الثالثة : قال المفسرون : لما القى موسى العصا صارت حية عظيمة حتى سدت الأفق ثم فتحت فكها فكان ما بين فكيها ثمانين ذراعا وابتلعت ما القوا من حبالهم وعصيهم فلما أخذها موسى صارت عصا كما كانت من غير تفاوت في الحجم والمقدار أصلا. واعلم ان هذا مما يدل على وجود الا له القادر المختار وعلى المعجز العظيم لموسى عليه السلام وذلك لان ذلك الثعبان العظيم لما ابتلعت تلك الحبال والعصي مع كثرتها ثم صارت عصا كما كانت فهذا يدل على انه تعالى اعدم أجسام تلك الحبال والعصى او على انه تعالى فرق بين تلك الاجزاء وجعلها ذرات غير محسوسة واذهبها في الهواء بحيث لا يحس بذهابها وتفرقها وعلى كلا التقديرين فلا يقدر على هذه الحالة احد الا اللّه سبحانه وتعالى.
المسألة الرابعة : قوله : ما يَأْفِكُونَ فيه وجهان : الاول : معنى الإفك في اللغة قلب الشيء عن وجهه، ومنه قيل للكذب افك لأنه مقلوب عن وجهه. قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : ما يَأْفِكُونَ يريد يكذبون والمعنى : ان العصا تلقف ما يافكونه اى يقلبونه عن الحق إلى الباطل ويزورونه وعلى هذا التقدير فلفظة (ما) موصولة والثاني : ان يكون (ما) مصدرية والتقدير : فإذا هي تلقف إفكهم تسمية للمأفوك بالإفك.
ثم قال تعالى : فَوَقَعَ الْحَقُّ [إلى آخر الآية] قال مجاهد والحسن : ظهر. وقال الفراء : فتبين الحق من السحر. قال اهل المعاني : الوقوع ظهور الشيء بوجوده نازلا إلى مستقره وسبب هذا الظهور ان السحرة قالوا لو كان ما صنع موسى سحرا لبقيت حبالنا وعصينا ولم تفقد فلما فقدت ثبت ان ذلك انما حصل بخلق اللّه سبحانه وتعالى وتقديره لا لأجل السحر فهذا هو الذي لأجله تميز المعجز عن السحر. قال القاضي قوله : فَوَقَعَ الْحَقُّ يفيد قوة الثبوت والظهور بحيث لا يصح فيه البطلان كما لا يصح في الواقع ان يصير لا واقعا.