مفاتيح الغيب، ج ١٤، ص : ٣٣٧
فان قيل : قوله : فَوَقَعَ الْحَقُّ يدل على قوة هذا الظهور فكان قوله : وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ تكريرا من غير فائدة! قلنا : المراد ان مع ثبوت هذا الحق زالت الأعيان التي افكوها وهي تلك الحبال والعصى فعند ذلك ظهرت الغلبة فلهذا قال تعالى : فَغُلِبُوا هُنالِكَ لأنه لا غلبة اظهر من ذلك وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ لأنه لا ذل ولا صغار أعظم في حق المبطل من ظهور بطلان قوله وحجته على وجه لا يمكن فيه حيلة ولا شبهة أصلا قال الواحدي : لفظة (ما) في قوله : وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ يجوز ان تكون بمعنى «الذي» فيكون المعنى بطل الحبال والعصى الذي عملوا به السحر اي زال وذهب بفقدانها ويجوز ان تكون بمعنى المصدر كأنه قيل بطل عملهم واللّه اعلم.
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٢٠ إلى ١٢٢]
وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (١٢٠) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (١٢٢)
في الآية مسائل :
المسألة الاولى : قال المفسرون : ان تلك الحبال والعصي كانت حمل ثلاثمائة بعير فلما ابتلعها ثعبان موسى عليه السلام وصارت عصا كما كانت قال بعض السحرة لبعض هذا خارج عن السحر بل هو امر الهى فاستدلوا به على ان موسى عليه السلام نبي صادق من عند اللّه تعالى قال المتكلمون : وهذه الآية من أعظم الدلائل على فضيلة العلم وذلك لان أولئك الأقوام كانوا عالمين بحقيقة السحر واقفين على منتهاه فلما كانوا كذلك ووجدوا معجزة موسى عليه السلام خارجة عن حد السحر علموا انه من المعجزات الإلهية لا من جنس التمويهات البشرية ولو انهم ما كانوا كاملين في علم السحر لما قدروا على ذلك الاستدلال لأنهم كانوا يقولون : لعله أكمل / منا في علم السحر فقدر على ما عجزنا عنه فثبت انهم كانوا كاملين في علم السحر.
فلأجل كمالهم في ذلك العلم انتقلوا من الكفر إلى الايمان فإذا كان حال علم السحر كذلك فما ظنك بكمال حال الإنسان في علم التوحيد.
المسألة الثانية : احتج أصحابنا بقوله تعالى : وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ قالوا : دلت هذه الآية على ان غيرهم ألقاهم ساجدين وما ذاك الا اللّه رب العالمين فهذا يدل على ان فعل العبد خلق اللّه تعالى. قال مقاتل :
ألقاهم اللّه تعالى ساجدين. وقال المعتزلة : الجواب عنه من وجوه : الاول : انهم لما شاهدوا الآيات العظيمة والمعجزات القاهرة لم يتمالكوا ان وقعوا ساجدين فصار كان ملقيا ألقاهم الثاني : قال الأخفش : من سرعة ما سجدوا صاروا كأنهم ألقاهم غيرهم لأنهم لم يتمالكوا ان وقعوا ساجدين. الثالث : انه ليس في الآية انه ألقاهم ملق إلى السجود الا انا نقول : ان ذلك الملقي هو أنفسهم.
والجواب : ان خالق تلك الداعية في قلوبهم هو اللّه تعالى والا لا فتقروا في خلق تلك الداعية الجازمة إلى داعية اخرى ولزم التسلسل وهو محال. ثم ان اصل تلك القدرة مع تلك الداعية الجازمة تصير موجبة للفعل وخالق ذلك الموجب هو اللّه تعالى فكان ذلك الفعل والأثر مسندا إلى اللّه تعالى واللّه اعلم.