مفاتيح الغيب، ج ١٤، ص : ٣٣٨
المسألة الثالثة : انه تعالى ذكر أولا انهم صاروا ساجدين ثم ذكر بعده انهم قالوا : آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ فما الفائدة فيه مع ان الايمان يجب ان يكون متقدما على السجود؟ وجوابه من وجوه : الاول : انهم لما ظفروا بالمعرفة سجدوا للّه تعالى في الحال وجعلوا ذلك السجود شكرا للّه تعالى على الفوز بالمعرفة والايمان وعلامة ايضا على انقلابهم من الكفر إلى الايمان واظهار الخضوع والتذلل للّه تعالى فكأنهم جعلوا ذلك السجود الواحد علامة على هذه الأمور الثلاثة على سبيل الجمع.
الوجه الثاني : لا يبعد انهم عند الذهاب إلى السجود قالوا : آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ وعلى هذا التقدير فالسؤال زائل والوجه الصحيح هو الاول.
المسألة الرابعة : احتج اهل التعليم بهذه الآية فقالوا : الدليل على ان معرفة اللّه لا تحصل الا بقول النبي ان أولئك السحرة لما قالوا : آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ لم يتم ايمانهم فلما قالوا : رَبِّ مُوسى وَهارُونَ تم ايمانهم وذلك يدل على قولنا.
وأجاب العلماء عنه : بأنهم لما قالوا : آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ قال لهم فرعون اياي تعنون فلما قالوا :
رَبِّ مُوسى قال اياي تعنون لأني انا الذي ربيت موسى فلما قالوا : وَهارُونَ زالت الشبهة، وعرف الكل انهم كفروا بفرعون وآمنوا باله السماء وقيل انما خصهما بالذكر بعد دخولهما في جملة العالمين لان التقدير آمنا برب العالمين وهو الذي دعا إلى الايمان به موسى وهارون. وقيل : خصهما بالذكر تفضيلا وتشريفا كقوله : وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ [البقرة : ٩٨].
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٢٣ إلى ١٢٦]
قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (١٢٣) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤) قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥) وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ (١٢٦)
[في قوله تعالى قالَ فِرْعَوْنُ إلى قوله لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها] في الآية مسائل :
المسألة الاولى : قرا عاصم في رواية حفص آمَنْتُمْ بهمزة واحدة على لفظ الخبر وكذلك في طه والشعراء وقرا عاصم في رواية ابى بكر وحمزة والكسائي ا آمنتم بهمزتين في جميع القرآن وقرا الباقون بهمزة واحدة ممدودة في جميع على الاستفهام. قال الفراء : اما قراءة حفص آمَنْتُمْ بلفظ الخبر من غير مد فالوجه فيها انه يخبرهم بايمانهم على وجه التقريع لهم والإنكار عليهم واما القراءة بالهمزتين فاصله أأمنتم على وزن أفعلتم.
المسألة الثانية : اعلم ان فرعون لما رأى ان اعلم الناس بالسحر أقر بنبوة موسى عليه السلام عند اجتماع الخلق العظيم خاف ان يصير ذلك حجة قوية عند قومه على صحة نبوة موسى عليه السلام فالقى في الحال نوعين من الشبهة إلى إسماع العوام لتصير تلك الشبهة مانعة للقوم من اعتقاد صحة نبوة موسى عليه السلام.


الصفحة التالية
Icon