مفاتيح الغيب، ج ١٤، ص : ٣٣٩
فالشبهة الاولى : قوله : إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ والمعنى : ان ايمان هؤلاء بموسى عليه السلام ليس لقوة الدليل بل لأجل انهم تواطئوا مع موسى انه إذا كان كذا وكذا فنحن نؤمن بك ونقر بنبوتك فهذا الايمان انما حصل بهذا الطريق.
والشبهة الثانية : ان غرض موسى والسحرة فيما تواطئوا عليه إخراج القوم من المدينة وابطال ملكهم ومعلوم عند جميع العقلاء ان مفارقة الوطن والنعمة المألوفة من أصعب الأمور فجمع فرعون اللعين بين الشبهتين اللتين لا يوجد أقوى منهما في هذا الباب. وروى محمد بن جرير عن السدى في حديث عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من الصحابة رضى اللّه عنهم ان موسى وامير السحرة التقيا فقال موسى عليه السلام :
أرأيتك ان غلبتك أتؤمن بي وتشهد ان ما جئت به الحق؟ قال الساحر : لآتين غدا بسحر لا يغلبه سحر فو اللّه لئن غلبتني لأومنن بك وفرعون ينظر إليهما ويسمع قولهما فهذا هو قول فرعون إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ واعلم ان هذا يحتمل انه كان قد حصل ويحتمل ايضا ان فرعون القى هذا الكلام في البين ليصير صارفا للعوام عن التصديق بنبوة موسى عليه السلام. قال القاضي : وقوله : قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ دليل على مناقضة فرعون في ادعاء الإلهية لأنه لو كان الها لما جاز ان يأذن لهم في ان يؤمنوا به مع انه يدعوهم إلى الهية غيره ثم قال : وذلك من خذلان اللّه تعالى الذي يظهر على المبطلين.
اما قوله : فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ إلى قوله أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً لا شبهة في انه ابتداء وعيد ثم انه لم يقتصر على هذا الوعيد المجمل بل فسره فقال : لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ وقطع اليد والرجل من خلاف معروف المعنى وهو ان يقطعهما من جهتين مختلفتين اما من اليد اليمنى والرجل اليسرى او من اليد اليسرى والرجل اليمنى واما الصلب فمعروف فتوعدهم بهذين الأمرين العظيمين واختلفوا في انه هل وقع ذلك منه؟ وليس في الآية ما يدل على احد الأمرين. واحتج بعضهم على وقوعه بوجوه : الاول : انه تعالى حكى عن الملا من قوم فرعون انهم قالوا له : أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ [الأعراف : ١٢٧] ولو انه ترك أولئك السحرة وقومه احياء وما قتلهم لذكرهم ايضا ولحذرهم عن الإفساد الحاصل من جهتهم. ويمكن ان يجاب عنه بأنهم دخلوا تحت قومه فلا وجه لافرادهم بالذكر. والثاني : ان قوله تعالى حكاية عنهم رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً يدل على انه كان قد نزل بهم بلاء شديد عظيم حتى طلبوا من اللّه تعالى ان يصبرهم عليه. ويمكن ان يجاب عنه بأنهم طلبوا من اللّه تعالى الصبر على الايمان وعدم الالتفات إلى وعيده. الثالث : ما نقل عن ابن عباس رضى اللّه عنه انه فعل ذلك وقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وهذا هو الأظهر / مبالغة منه في تحذير القوم عن قبول دين موسى عليه السلام. وقال آخرون : انه لم يقع من فرعون ذلك بل استجاب اللّه تعالى لهم الدعاء في قولهم : وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ لأنهم سألوه تعالى ان يكون توفيهم من جهته لا بهذا القتل والقطع وهذا الاستدلال قريب.
ثم حكى تعالى عن القوم ما لا يجوز ان يقع من المؤمن عند هذا الوعيد احسن منه وهو قولهم لفرعون :
وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا فبينوا ان الذي كان منهم لا يوجب الوعيد ولا إنزال النقمة بهم بل يقتضي خلاف ذلك وهو ان يتأسى بهم في الإقرار بالحق والاحتراز عن الباطل عند ظهور الحجة والدليل يقال : نقمت انقم إذا بالغت في كراهية الشيء وقد مر عند قوله : قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ


الصفحة التالية
Icon