مفاتيح الغيب، ج ١٤، ص : ٣٤٩
والقول الثاني : المراد جملة الأرض وذلك لأنه خرج من جملة بنى إسرائيل داود وسليمان قد ملك الأرض وهذا يدل على ان الأرض هاهنا اسم الجنس. وقوله : وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ قيل المراد من كَلِمَتُ رَبِّكَ قوله : وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي / الْأَرْضِ إلى قوله : ما كانُوا يَحْذَرُونَ [القصص : ٦] والحسنى تأنيث الأحسن صفة للكلمة ومعنى تمت على بنى إسرائيل مضت عليهم واستمرت من قولهم تم عليك الأمر إذا مضى عليك. وقيل : معنى تمام الكلمة الحسنى انجاز الوعد الذي تقدم باهلاك عدوهم واستخلافهم في الأرض وانما كان الإنجاز تماما للكلام لان الوعد بالشيء يبقى كالشىء المعلق فإذا حصل الموعود به فقد تم لك الوعد وكمل وقوله : بِما صَبَرُوا اي انما حصل ذلك التمام بسبب صبرهم وحسبك به حاثا على الصبر ودالا على ان من قابل البلاء بالجزع وكله اللّه اليه ومن قابله بالصبر وانتظار النصر ضمن اللّه له الفرج وقرا عاصم في رواية وتمت كلمات ربك الحسنى ونظيره مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى [النجم : ١٨] وقوله : وَدَمَّرْنا قال الليث : الدمار الهلاك التام. يقال : دمر القوم يدمرون دمارا اى هلكوا وقوله : ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ قال ابن عباس يريد الصانع وَما كانُوا يَعْرِشُونَ قال الزجاج :
يقال عرش يعرش ويعرش إذا بني قيل : وما كانوا يعرشون من الجنات ومنه قوله تعالى : جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ [الانعام : ١٤١] وقيل : وَما كانُوا يَعْرِشُونَ يرفعون من الابنية المشيدة في السماء كصرح هامان وفرعون. وقرئ يعرشون بالكسر والضم وذكر اليزيدي ان الكسر افصح قال صاحب «الكشاف» : وبلغني انه قرا بعض الناس يغرسون من غرس الأشجار وما احسبه الا تصحيفا منه وهذا آخر ما ذكره اللّه تعالى من قصة فرعون وقومه وتكذيبهم بآيات اللّه تعالى.
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٣٨ إلى ١٣٩]
وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩)
اعلم انه تعالى لما بين انواع نعمه على بنى إسرائيل بان أهلك عدوهم وأورثهم ارضهم وديارهم اتبع ذلك بالنعمة العظمى وهي ان جاوز بهم البحر مع السلامة : ولما بين تعالى في سائر السور كيف سيرهم في البحر مع السلامة وذلك بان فلق البحر عند ضرب موسى البحر بالعصا وجعله يبسا بين ان بنى إسرائيل لما شاهدوا قوما يعكفون على عبادة أصنامهم جهلوا وارتدوا وقالوا :/ لموسى اجعل لنا الها كما لهم آلهة ولا شك ان القوم لما شاهدوا المعجزات الباهرة التي أظهرها اللّه تعالى لموسى على فرعون : ثم شاهدوا انه تعالى أهلك فرعون وجنوده وخص بنى إسرائيل بأنواع السلامة والكرامة ثم انهم بعد هذه المواقف والمقامات يذكرون هذا الكلام الفاسد الباطل كانوا في نهاية الجهل وغاية الخلاف.
اما قوله تعالى : وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ يقال : جاوز الوادي. إذا قطعه وخلفه وراءه وجاوز بغيره عبر به وقرئ جوزنا بمعنى : أجزنا. يقال : أجاز المكان وجوزه بمعنى : جازه فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قال الزجاج : يواظبون عليها ويلازمونها. يقال : لكل من لزم شيئا وواظب عليه عكف يعكف ويعكف ومن هذا قيل لملازم المسجد متعكف. وقال قتادة : كان أولئك القوم من لخم وكانوا