مفاتيح الغيب، ج ١٤، ص : ٣٥٠
نزولا بالريف. قال ابن جريج : كانت تلك الأصنام تماثيل بقر وذلك أول بيان قصة العجل.
ثم حكى تعالى عنهم انهم قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ واعلم ان من المستحيل ان يقول :
العاقل لموسى : اجعل لنا الها كما لهم آلهة وخالقا ومدبرا لان الذي يحصل بجعل موسى وتقديره : لا يمكن ان يكون خالقا للعالم ومدبرا له ومن شك في ذلك لم يكن كامل العقل والأقرب انهم طلبوا من موسى عليه السلام ان يعين لهم أصناما وتماثيل يتقربون بعبادتها إلى اللّه تعالى وهذا القول هو الذي حكاه اللّه تعالى عن عبدة الأوثان حيث قالوا : ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [الزمر : ٣].
إذا عرفت هذا فلقائل ان يقول : لم كان هذا القول كفرا؟ فنقول : اجمع كل الأنبياء عليهم السلام على ان عبادة غير اللّه تعالى كفر سواء اعتقد في ذلك الغير كونه الها للعالم او اعتقدوا فيه ان عبادته تقربهم إلى اللّه تعالى لان العبادة نهاية التعظيم ونهاية التعظيم لا تليق الا بمن يصدر عنه نهاية الانعام والإكرام.
فان قيل : فهذا القول صدر من كل بني إسرائيل او من بعضهم؟
قلنا : بل من بعضهم لأنه كان مع موسى عليه السلام السبعون المختارون وكان فيهم من يرتفع عن مثل هذا السؤال الباطل.
ثم انه تعالى حكى عن موسى عليه السلام انه أجابهم فقال : إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ وتقرير هذا الجهل ما ذكر ان العبادة غاية التعظيم فلا تليق الا بمن يصدر عنه غاية الانعام وهي بخلق الجسم والحياة والشهوة والقدرة والعقل وخلق الأشياء المنتفع بها والقادر على هذه الأشياء ليس الا اللّه تعالى فوجب ان لا تليق العبادة الا به.
فان قالوا : إذا كان مرادهم بعبادة تلك الأصنام التقرب بها إلى تعظيم اللّه تعالى فما الوجه في قبح هذه العبادة؟
قلنا : فعلى هذا التقدير : لم يتخذوها آلهة أصلا وانما جعلوها كالقبلة وذلك ينافي قولهم : اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ واعلم ان (ما) فع اللّه بلا واسطة. ففي هذه الحالة كيف يليق به ان يقول : اظهر لي آية قاهرة ظاهرة تدل على انك موجود؟ ومعلوم ان هذا الكلام في غاية الفساد. الرابع : انه لو كان المطلوب آية تدل على وجوده لأعطاه تلك الآية كما أعطاه سائر الآيات / ولكان لا معنى لمنعه عن ذلك فثبت ان هذا القول فاسد. واما التأويل الرابع وهو ان يقال : المقصود منه اظهار آية سمعية تقوي ما دل العقل عليه، فهو ايضا بعيد، لأنه لو كان المراد ذلك، لكان الواجب ان يقول : أريد يا الهي ان يقوى امتناع رؤيتك بوجوه زائدة على ما ظهر في العقل، وحيث لم يقل ذلك بل طلب الرؤية. علمنا ان هذه التأويلات بأسرها فاسدة.
الحجة الثانية : من الوجوه المستنبطة من هذه الآية الدالة على انه تعالى جائز الرؤية وذلك لأنه تعالى لو كان مستحيل الرؤية لقال : لا ارى الا ترى انه لو كان في يد رجل حجر فقال له انسان ناولني هذا لأكله فانه يقول له هذا لا يؤكل ولا يقول له لا تأكل. ولو كان في يده بدل الحجر تفاحة لقال له : لا تأكلها اي هذا مما يؤكل ولكنك لا تأكله. فلما قال تعالى : لَنْ تَرانِي ولم يقل لا ارى علمنا ان هذا يدل على انه تعالى في ذاته جائز الرؤية.
الحجة الثالثة : من الوجوه المستنبطة من هذه الآية انه تعالى علق رؤيته على امر جائز والمعلق على الجائز جائز فيلزم كون الرؤية في نفسها جائزة. انما قلنا : انه تعالى علق رؤيته على امر جائز لأنه تعالى علق رؤيته على استقرار الجبل بدليل قوله تعالى : فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي واستقرار الجبل امر جائز الوجود في نفسه فثبت انه تعالى علق رؤيته على امر جائز الوجود في نفسه.


الصفحة التالية
Icon