مفاتيح الغيب، ج ١٤، ص : ٣٥٦
إذا ثبت هذا وجب ان تكون رؤيته جائزة الوجود في نفسها لأنه لما كان ذلك الشرط امرا جائز الوجود لم يلزم من فرض وقوعه محال فبتقدير حصول ذلك الشرط اما ان يترتب عليه الجزاء الذي هو حصول الرؤية او لا يترتب فان ترتب عليه حصول الرؤية لزم القطع بكون الرؤية جائزة الحصول وان لم يترتب عليه حصول الرؤية قدح هذا في صحة قوله، انه متى حصل ذلك الشرط حصلت الرؤية وذلك باطل.
فان قيل : انه تعالى علق حصول الرؤية على استقرار الجبل حال حركته واستقرار الجبل حال حركته محال. فثبت ان حصول الرؤية معلق على شرط ممتنع الحصول لا على شرط جائز الحصول فلم يلزم صحة ما قلتموه؟ والدليل على ان الشرط هو استقرار الجبل حال حركته ان الجبل اما ان يقال : انه حال ما جعل استقراره شرطا لحصول الرؤية كان ساكنا او متحركا فان كان الاول لزم حصول الرؤية بمقتضى الاشتراط وحيث لم تحصل علمنا ان الجبل في ذلك الوقت ما كان مستقرا ولما لم يكن مستقرا كان متحركا. فثبت ان الجبل حال ما جعل استقراره شرطا لحصول الرؤية كان متحركا لا ساكنا. فثبت ان الشرط هو كون الجبل مستقرا حال كونه ساكنا / فثبت ان الشرط الذي علق اللّه تعالى على حصوله حصول الرؤية هو كون الجبل مستقرا حال كونه متحركا وانه شرط محال.
والجواب : هو ان اعتبار حال الجبل من حيث هو مغاير لاعتبار حاله من حيث انه متحرك او ساكن وكونه ممتنع الخلو عن الحركة والسكون لا يمنع اعتبار حاله من حيث انه متحرك او ساكن الا ترى ان الشيء لو أخذته بشرط كونه موجودا كان واجب الوجود ولو أخذته بشرط كونه معدوما كان واجب العدم فلو أخذته من حيث هو هو مع قطع النظر عن كونه موجودا او كونه معدوما كان ممكن الوجود فكذا هاهنا الذي جعل شرطا في اللفظ هو استقرار الجبل وهذا القدر ممكن الوجود فثبت ان القدر الذي جعل شرطا امر ممكن الوجود جائز الحصول وهذا القدر يكفي لبناء المطلوب عليه. واللّه اعلم.
الحجة الرابعة : من الوجوه المستنبطة من هذه الآية في اثبات جواز الرؤية قوله تعالى : فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وهذا التجلي هو الرؤية ويدل عليه وجهان : الاول : ان العلم بالشيء يجلى لذلك الشيء وابصار الشيء ايضا يجلى لذلك الشيء. الا ان الأبصار في كونه مجليا أكمل من العلم به وحمل اللفظ على المفهوم الأكمل اولى. الثاني : ان المقصود من ذكر هذه الآية تقرير ان الإنسان لا يطيق رؤية اللّه تعالى بدليل ان الجبل مع عظمته لما رأى اللّه تعالى اندك وتفرقت اجزاؤه ولولا ان المراد من التجلي ما ذكرناه والا لم يحصل هذا المقصود. فثبت ان قوله تعالى : فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا هو ان الجبل لما رأى اللّه تعالى اندكت اجزاؤه ومتى كان الأمر كذلك ثبت انه تعالى جائز الرؤية أقصى ما في الباب ان يقال : الجبل جماد والجماد يمتنع ان يرى شيئا الا انا نقول : لا يمتنع ان يقال : انه تعالى خلق في ذات الجبل الحياة والعقل والفهم ثم خلق فيه رؤية متعلقة بذات اللّه تعالى والدليل عليه انه تعالى قال : يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ [سبا : ١٠] وكونه مخاطبا بهذا الخطاب مشروط بحصول الحياة والعقل فيه فكذا هاهنا فثبت بهذه الوجوه الاربعة دلالة هذه الآية على انه تعالى جائز الرؤية. اما المعتزلة فقالوا : انه ثبت بالدلائل العقلية والسمعية انه تعالى تمتنع رؤيته فوجب صرف هذه الظواهر إلى التأويلات. اما دلائلهم العقلية فقد بينا في الكتب العقلية ضعفها وسقوطها فلا حاجة هنا إلى ذكرها. واما دلائلهم السمعية فاقوى ما لهم في هذا الباب التمسك بقوله تعالى : لا تُدْرِكُهُ