مفاتيح الغيب، ج ١٤، ص : ٣٥٧
الْأَبْصارُ
[الانعام : ١٠٣] قد سبق في سورة الانعام ما في هذه الآية من المباحث الدقيقة واللطائف العميقة واعلم ان القوم تمسكوا بهذه الآية على عدم الرؤية من وجوه : الاول : التمسك بقوله تعالى : لَنْ تَرانِي وتقرير الاستدلال ان يقال : ان هذه الآية تدل على ان موسى عليه السلام لا يرى اللّه البتة لا في الدنيا ولا في القيامة ومتى ثبت هذا ثبت ان أحدا لا يراه البتة / ومتى ثبت هذا ثبت انه تعالى يمتنع ان يرى فهذه مقدمات ثلاثة.
اما المقدمة الاولى : فتقريرها من وجوه : الاول : ما نقل عن اهل اللغة ان كلمة «لن» للتأبيد. قال الواحدي رحمه اللّه : هذه دعوى باطلة على اهل اللغة وليس يشهد بصحته كتاب معتبر ولا نقل صحيح وقال أصحابنا : الدليل على فساده قوله تعالى في صفة اليهود وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً [البقرة : ٩٥] مع انهم يتمنون الموت يوم القيامة. والثاني : ان قوله : لَنْ تَرانِي يتناول الأوقات كلها بدليل صحة استثناء اي وقت أريد من هذه الكلمة ومقتضى الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل تحت اللفظ وهذا ايضا ضعيف لان تأثير الاستثناء في صرف الصحة لا في صرف الوجوب على ما هو مقرر في اصول الفقه. الثالث : ان قوله لن افعل كذا يفيد تأكيد النفي ومعناه ان فعله ينافي حالته كقوله تعالى : لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ [الحج : ٧٣] وهذا يدل على ان الرؤية منافية للالهية والجواب : ان (لن) لتأكيد نفى ما وقع السؤال عنه والسؤال انما وقع عن تحصيل الرؤية في الحال فكان قوله : لَنْ تَرانِي نفيا لذلك المطلوب فاما ان يفيد النفي الدائم فلا. فهذه جملة الكلام في تقرير هذه المسألة.
اما المقدمة الثانية : فقالوا : القائل اثنان : قائل يقول : ان المؤمنين يرون اللّه وموسى ايضا يراه وقائل ينفى الرؤية عن الكل اما القول بإثباته لغير موسى ونفيه عن موسى فهو قول خارق للإجماع وهو باطل.
واما المقدمة الثالثة : فهي ان كل من نفى الوقوع نفى الصحة فالقول بثبوت الصحة مع نفى الوقوع قول على خلاف الإجماع وهو باطل. واعلم ان بناء هذه الدلالة على صحة المقدمة الاولى فلما ثبت ضعفها سقط هذا الاستدلال بالكلية.
الحجة الثانية للقوم : انه تعالى حكى عن موسى عليه السلام انه خر صعقا ولو كانت الرؤية جائزة. فلم خر عند سؤالها صعقا؟
والحجة الثالثة : انه عليه السلام لما أفاق قال سبحانك وهذه الكلمة للتنزيه فوجب ان يكون المراد منه تنزيه اللّه تعالى عما تقدم ذكره والذي تقدم ذكره هو رؤية اللّه تعالى فكان قوله : سُبْحانَكَ تنزيها له عن الرؤية فثبت بهذا ان نفى الرؤية تنزيه اللّه تعالى وتنزيه اللّه انما يكون عن النقائص والآفات، فوجب كون الرؤية من النقائص والآفات، وذلك على اللّه محال فثبت ان الرؤية على اللّه ممتنعة.
والحجة الرابعة : قوله تعالى حكاية عن موسى لما أفاق انه قال : تُبْتُ إِلَيْكَ ولولا ان طلب الرؤية ذنب لما تاب منه ولولا انه ذنب ينافي صحة الإسلام لما قال : وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ.
واعلم ان أصحابنا قالوا : الرؤية كانت جائزة الا انه عليه السلام سالها بغير الاذن وحسنات الأبرار