مفاتيح الغيب، ج ١٤، ص : ٣٥٨
سيئات المقربين فكانت التوبة عن هذا المعنى لا عما ذكروه فهذا جملة الكلام في هذه الآية. واللّه اعلم بالصواب.
المسألة الرابعة : في البحث عن هذه الآية. نقل عن ابن عباس انه قال : جاء موسى عليه السلام ومعه السبعون وصعد موسى الجبل وبقي السبعون في أسفل الجبل وكلم اللّه موسى وكتب له في الألواح كتابا وقربه نجيا فلما سمع موسى صرير القلم عظم شوقه فقال : رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قال صاحب «الكشاف» : ثاني مفعولي أَرِنِي محذوف اي ارني نفسك انظر إليك وفي لفظ الآية سؤالات :
السؤال الاول : النظر : اما ان يكون عبارة عن الرؤية او عن مقدمتها وهي تقليب الحدقة السليمة إلى جانب المرئي التماسا لرؤيته، وعلى التقدير الاول : يكون المعنى أرني حتى أراك وهذا فاسد، وعلى التقدير الثاني : يكون المعنى أرني حتى اقلب الحدقة إلى جانبك وهذا فاسد لوجهين : أحدهما : انه يقتضى اثبات الجهة للّه تعالى. والثاني : ان تقليب الحدقة إلى جهة المرئي مقدمة للرؤية فجعله كالنتيجة عن الرؤية وذلك فاسد.
والجواب : ان قوله : أَرِنِي معناه اجعلنى متمكنا من رؤيتك حتى انظر إليك وأراك.
السؤال الثاني : كيف قال : لَنْ تَرانِي ولم يقل لن تنظر إلى حتى يكون مطابقا لقوله : أَنْظُرْ إِلَيْكَ.
والجواب : ان النظر لما كان مقدمة للرؤية كان المقصود هو الرؤية لا النظر الذي لا رؤية معه.
والسؤال الثالث : كيف اتصل الاستدراك في قوله : وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ بما قبله؟
والجواب : المقصود منه تعظيم امر الرؤية وان أحدا لا يقوى على رؤية اللّه تعالى الا إذا قواه اللّه تعالى بمعونته وتأييده الا ترى انه لما ظهر اثر التجلي والرؤية للجبل اندك وتفرق فهذا من هذا الوجه يدل على تعظيم امر الرؤية.
اما قوله : فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ فقال الزجاج : تَجَلَّى اي ظهر وبان ومنه يقال جلوت العروس إذا أبرزتها وجلوت المرآة والسيف إذا أزلت ما عليهما من الصدا، وقوله : جَعَلَهُ دَكًّا قال الزجاج : يجوز دَكًّا بالتنوين ودَكَّاءَ بغير تنوين اى جعله مدقوقا مع الأرض يقال : دككت الشيء إذا دققته ادكه دكا والدكاء والدكاوات : الروابي التي تكون مع الأرض ناشزة. فعلى هذا الدك مصدر والدكاء اسم. ثم روى الواحدي باسناده عن الأخفش في قوله : جَعَلَهُ دَكًّا انه قال : دكه دكا مصدر مؤكد ويجوز جعله ذا دك. قال ومن قرا دَكَّاءَ ممدودا أراد جعله دكاء اي أرضا مرتفعة وهو / موافق لما روي عن ابن عباس انه قال : جعله ترابا. وقوله : وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً قال الليث : الصعق مثل الغشي يأخذ الإنسان والصعقة الغشية. يقال :
صعق الرجل وصعق فمن قال صعق فهو صعق. ومن قال صعق فهو مصعوق. ويقال ايضا : صعق إذا مات ومنه قوله تعالى : فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ [الزمر : ٦٨] فسروه بالموت. ومنه قوله :
يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ اي يموتون. قال صاحب «الكشاف» : صعق أصله من الصاعقة ويقال لها :
الصاقعة من صقعه إذا ضربه على رأسه.
إذا عرفت هذا فنقول : فسر ابن عباس قوله تعالى : وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً بالغشى وفسره قتادة بالموت والاول أقوى لقوله تعالى : فَلَمَّا أَفاقَ قال الزجاج : ولا يكاد يقال للميت : قد أفاق من موته ولكن يقال


الصفحة التالية
Icon