مفاتيح الغيب، ج ١٤، ص : ٣٥٩
للذي يغشى عليه : انه أفاق من غشيه، لان اللّه تعالى قال في الذين ماتوا : ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ [البقرة :
٥٦].
اما قوله : قالَ سُبْحانَكَ اي تنزيها لك عن ان يسألك غيرك شيئا بغير اذنك تُبْتُ إِلَيْكَ وفيه وجهان : الاول : تُبْتُ إِلَيْكَ من سؤال الرؤية في الدنيا. الثاني : تُبْتُ إِلَيْكَ من سؤال الرؤية بغير اذنك وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ بانك لا ترى في الدنيا او يقال : وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ بانه لا يجوز السؤال منك الا بإذنك.
[سورة الأعراف (٧) : آية ١٤٤]
قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)
اعلم ان موسى عليه السلام لما طلب الرؤية ومنعه اللّه منها، عدد اللّه عليه وجوه نعمه العظيمة التي له عليه وامره ان يشتغل بشكرها كأنه قال له ان كنت قد منعتك الرؤية فقد أعطيتك من النعم العظيمة كذا وكذا فلا يضيق صدرك بسبب منع الرؤية وانظر إلى سائر انواع النعم التي خصصتك بها واشتغل بشكرها. والمقصود تسلية موسى عليه السلام عن منع الرؤية وهذا ايضا احد ما يدل على ان الرؤيا جائزة على اللّه تعالى إذ لو كانت ممتنعة في نفسها لما كان إلى ذكر هذا القدر حاجة.
واعلم ان الاصطفاء استخلاص الصفوة فقوله : اصْطَفَيْتُكَ اي اتخذتك صفوة على الناس قال ابن عباس : يريد فضلتك على الناس ولما ذكر انه تعالى اصطفاه ذكر الأمر الذي به حصل هذا الاصطفاء فقال :
بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي قرا ابن كثير ونافع برسالتي على الواحد والباقون بِرِسالاتِي على الجمع وذلك انه تعالى اوحى اليه مرة بعد اخرى ومن قرا برسالتي فلان الرسالة تجري مجرى المصدر فيجوز افرادها في موضع الجمع وانما قال : اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ ولم يقل على الخلق لان الملائكة قد تسمع كلام اللّه من غير واسطة كما سمعه موسى عليه السلام.
فان قيل : كيف اصطفاه على الناس برسالاته مع ان كثيرا من الناس قد ساواه في الرسالة؟
قلنا : انه تعالى بين انه خصه من دون الناس بمجموع الأمرين وهو الرسالة مع الكلام بغير واسطة وهذا المجموع ما حصل لغيره فثبت انه انما حصل التخصيص هاهنا لأنه سمع ذلك الكلام بغير واسطة وانما كان الكلام بغير واسطة سببا لمزيد الشرف بناء على العرف الظاهر لان من سمع كلام الملك العظيم من فلق فيه كان أعلى حالا واشرف مرتبة ممن سمعه بواسطة الحجاب والنواب ولما ذكر هذين النوعين من النعمة العظيمة. قال : فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ يعني فخذ هذه النعمة ولا يضيق قلبك بسبب منعك الرؤية واشتغل بشكر الفوز بهذه النعمة والاشتغال بشكرها انما يكون بالقيام بلوازمها علما وعملا. واللّه اعلم.
[سورة الأعراف (٧) : آية ١٤٥]
وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ (١٤٥)
اعلم انه تعالى لما بين انه خص موسى عليه السلام بالرسالة ذكر في هذه الآية تفصيل تلك الرسالة فقال :


الصفحة التالية
Icon