مفاتيح الغيب، ج ١٤، ص : ٣٦٠
وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ نقل صاحب «الكشاف» عن بعضهم : ان موسى خر صعقا يوم عرفة. وأعطاه اللّه تعالى التوراة يوم النحر وذكروا في عدد الألواح وكفى جوهرها وطولها انها كانت عشرة ألواح. وقيل : سبعة وقيل انها كانت من زمردة جاء بها جبريل عليه السلام. وقيل من زبرجدة خضراء وياقوتة حمراء. وقال الحسن :
كانت من خشب نزلت من السماء. وقال وهب : كانت من صخرة صماء لينها اللّه لموسى عليه السلام واما كيفية الكتابة فقال ابن جريج كتبها جبريل بالقلم الذي كتب به الذكر واستمد من نهر النور.
واعلم انه ليس في لفظ الآية ما يدل على كيفية تلك الألواح، وعلى كيفية تلك الكتابة فان ثبت ذلك التفصيل بدليل منفصل قوي، وجب القول به والا وجب السكوت عنه واما قوله : مِنْ كُلِّ شَيْءٍ فلا شبهة فيه انه ليس على العموم بل المراد من كل ما يحتاج اليه موسى وقومه في دينهم من الحلال والحرام والمحاسن والمقابح.
واما قوله : مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فهو كالبيان للجملة التي قدمها بقوله : مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وذلك لأنه تعالى قسمه إلى ضربين : أحدهما : مَوْعِظَةً والاخر تَفْصِيلًا لما يجب ان يعلم من الاحكام فيدخل في الموعظة كل ما ذكره اللّه تعالى من الأمور التي توجب الرغبة في الطاعة والنفرة عن المعصية وذلك بذكر الوعد والوعيد ولما قرر ذلك أولا اتبعه بشرح اقسام الاحكام وتفصيل الحلال والحرام فقال : وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ ولما شرح ذلك قال لموسى : فَخُذْها بِقُوَّةٍ اي بعزيمة قوية ونية صادقة ثم امره اللّه تعالى ان يأمر قومه بان يأخذوا بأحسنها وظاهر ذلك ان بين التكليفين فرقا ليكون في هذا التفصيل فائدة ولذلك قال بعض المفسرين : ان التكليف كان على موسى عليه السلام أشد لأنه تعالى لم يرخص له ما رخص لغيره وقال بعضهم بل خصه من حيث كلفه البلاغ والأداء. وان كان مشاركا لقومه فيما عداه وفي قوله : وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها.
سؤال : وهو انه تعالى لما تعبد بكل ما في التوراة وجب كون الكل مأمورا به وظاهر قوله : يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها يقتضي ان فيه ما لبس بأحسن وانه لا يجوز لهم الأخذ به وذلك متناقض وذكر العلماء في الجواب عنه وجوها : الاول : ان تلك التكاليف منها ما هو حسن ومنها ما هو احسن كالقصاص والعفو والانتصار والصبر، اي فمرهم ان يحملوا أنفسهم على الأخذ بما هو ادخل في الحسن واكثر للثواب كقوله : وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ [الزمر : ٥٥] وقوله : الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ [الزمر : ١٨].
فان قالوا : فلما امر اللّه تعالى بالأخذ بالأحسن فقد منع من الأخذ بذلك الحسن وذلك يقدح في كونه حسنا فنقول يحمل امر اللّه تعالى بالأخذ بالأحسن على الندب حتى يزول هذا التناقض.
الوجه الثاني : في الجواب قال قطرب يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها اي بحسنها وكلها حسن لقوله تعالى : وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ [العنكبوت : ٤٥] وقول الفرزدق :
بيتا دعائمه أعز وأطول الوجه الثالث : قال بعضهم : الحسن يدخل تحته الواجب والمندوب والمباح واحسن هذه الثلاثة الواجبات والمندوبات.