ج ١، ص : ٣١٢
محمد نبيا ما قتل ولا هزم وأسرعوا في نصرة الكفار وتثبيط المؤمنين عن القتال، كل هذا كان يؤلم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ويحزنه، فنزلت هذه الآيات تسلية وتثبيتا لقلبه.
المعنى :
ولا يحزنك يا محمد الذين يسارعون في نصرة الكفر والسعى في إعلاء كلمته ويبذلون المال والرجال في خدمته كأبى سفيان وغيره من صناديد الكفار واليهود والمنافقين.
ولا يحزنك هؤلاء لأنهم يحاربونك فيضرونك إنما يحاربون اللّه القوى القدير، فهم إذا لا يضرون إلا أنفسهم والعاقبة عليهم. وقيل : المعنى إنهم لن يضروا حزب اللّه من المؤمنين لأن اللّه ناصرهم فهم إذا لا يضرون إلا أنفسهم، وقد بين اللّه ذلك بقوله :
يريد اللّه ألا يجعل لهم نصيبا في الآخرة من الثواب لأن طبيعتهم قد فسدت، وميلهم دائما إلى الشر والضرر، وهكذا سنة اللّه وإرادته مع أمثالهم، ولهم عذاب في الدنيا والآخرة سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ « ١ » عذابا عظيما هائلا يستحقونه لمساعدتهم في نصرة الكفر وتأييده، وهل هذا الجزاء للمسارعين في نصرة الكفر فقط ؟ لا. بل كل من اختار الكفر وآثره على الإيمان ظنا منه أنه ربح في هذا الاستبدال لن يضر اللّه شيئا من الضرر، بل الضرر عليهم ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله ولهم عذاب أليم مؤلم للغاية في الدنيا والآخرة.
وإذا كان هذا حال الكفار فكيف ترى أن اللّه يمد لهم في الدنيا ويملى لهم في أعمالهم ؟
ولذا أجاب اللّه بقوله :(و لا يحسبن الذين كفروا) أن إملاءنا لهم خير فإن الإملاء يكون خيرا إذا كان صاحبه يستغله في عمل الخير له، وهؤلاء يملى لهم اللّه فتكون عاقبتهم أنهم يزدادون إثما على إثم ويبالغون في الباطل والبهتان، فلهم عذاب مهين، وإنما نملي لهم ليتوبوا، ويقلعوا عما هم فيه فيكون الإملاء خيرا، ولكن جرى في علم اللّه أن بعضهم لن يعود إلى الخير ويؤوب إلى الرشد فهؤلاء لهم عذاب مهين، وأى إهانة أشد من هذا ؟ ؟
وما كان اللّه ليترك المؤمنين على حالهم فلا يميز المؤمن الصادق من المنافق الكاذب، فإن هذا يضر جماعة المسلمين، فإنه لا بد للجماعة من أن تعرف قوتها الحقيقية فتسير

_
(١) سورة التوبة آية ١٠١.


الصفحة التالية
Icon