ج ١، ص : ٤٥٤
لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ
«
١ » يسألك هؤلاء اليهود على سبيل التعنت والتعجيز، ولا تعجب أيها الرسول من سؤالهم ولا تستكثره عليهم فقد سألوا موسى قديما أكبر من هذا، وقالوا : أرنا اللّه رؤية جهرة عيانا بلا حاجز ولا حجاب، وقد مر كثيرا أن فعل آبائهم ينسب إلى المعاصرين منهم، لأنهم وارثوهم ومقلدوهم ومعتزون بهم، ولا تنس مبدأ تكافل الأمة الواحدة، وقيل : إن أهل الكتاب جنس عام يدخل فيه المعاصرون وآباؤهم... وسؤالهم رؤية اللّه عيانا يدل على جهلهم باللّه وما يجب له من صفات الكمال، إذ كيف تحيط به الأبصار والعيون ؟ لذا كان أكبر جرما من سؤالهم كتابا من السماء، وقد عوقبوا على هذا الطلب بنزول الصاعقة وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ [البقرة ٥٥].
ثم هم بعد أن ماتوا بالصاعقة أحياهم اللّه فاتخذوا العجل إلها من بعد ما جاءتهم الآيات البينات الواضحات، كالعصا وفلق البحر وغيرها من الحجج القوية التي تثبت الألوهية والوحدانية للّه - سبحانه وتعالى - فعفونا عن ذلك الذنب حين تابوا منه تلك التوبة النصوح، وآتينا موسى سلطانا مبينا وحجة قوية حيث طلب منهم القتل فقتلوا أنفسهم وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [سورة البقرة آية ٥٤].
ومن عجائب أحوالهم أن اللّه أخذ عليهم الميثاق. وكلفهم بالشريعة ورفع فوقهم الطور بسبب هذا الميثاق ليأخذوه بقوة ونشاط. وقد كان رفع الطور فوقهم من الآيات الكونية، حتى يؤمنوا، ولكنهم اليهود وكفى!! وقلنا لهم : ادخلوا باب القرية (و اللّه أعلم بها) خاضعين للّه متذللين له ذلة وانكسارا لعظمته وجبروته، وقلنا لهم، لا تتجاوزوا الحدود المرسومة لكم، ولا تصطادوا يوم السبت - وقد كانت حيتانهم تأتيهم يوم سبتهم شرعا - ابتلاء لهم واختبارا، فظلموا أنفسهم واصطادوا فيه وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ [البقرة ٦٥]. وأخذنا منهم ميثاقا شديدا ليأخذنّ التوراة بقوة وجد،
(١) سورة الأنعام الآية ٧.