قال القرطبي :« ما » نافية ومعطوف على قوله ﴿ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ ﴾، ثم قال :﴿ ولكن الشياطين كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ الناس السحر وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى الملكين ﴾، وذلك أن اليهود كانوا يزعمون أنه نزل به جبريل وميكائيل فأكذبهم الله وجعل قوله :﴿ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ﴾ بدلاً من الشياطين، قال : وصح ذلك إما لأن الجمع يطلق على الاثنين كما في قوله تعالى :﴿ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ ﴾ [ النساء : ١١ ] أو لكونهما لهما أتباع، أو ذكرا من بينهم لتمردهما. تقدير الكلام عنده : يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت، ثم قال : وهذا أولى ما حملت عليه الآية وأصح ولا يلتفت إلى ما سواه، وروى ابن جرير بإسناده من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله :﴿ وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى الملكين بِبَابِلَ ﴾ الآية. يقول : لم ينزل الله السحر، وبإسناده عن الربيع بن أنَس في قوله :﴿ وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى الملكين ﴾ قال : ما أنزل الله عليهما السحر. قال ابن جرير. فتأويل الآية على هذا « واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان » من السحر وما كفر سليمان ولا أنزل الله السحر على الملكين ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت. فيكون قوله :﴿ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ﴾ من المؤخر الذي معناه المقدم. قال : فإن قال لنا قائل : كيف وجه تقديم ذلك؟ قيل : وجه تقديمه أن يقال :« واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان من السحر وما كفر سليمان وما أنزل الله السحر على الملكين ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل. هاروت وماروت » فيكون معنياً بالملكين جبريل وميكائيل عليهما السلام، لأن سحرة اليهود فيما ذكرت كانت تزعم أن الله أنزل السحر على لسان جبريل وميكائيل إلى سليمان بن داود، فأكذبهم الله بذلك وأخبر نبيّه محمداً ﷺ أن جبريل وميكائيل لم ينزلا بسحر، وبرأ سليمان عليه السلام مما نحلوه من السحر، وأخبرهم أن السحر من عمل الشياطين، وأنها تعلم الناس ذلك ببابل، وأن الذين يعلمونهم ذلك رجلان اسم أحدهما ( هاروت ) واسم الآخر ( ماروت ) فيكون هاروت وماروت على هذا التأويل ترجمة عن الناس ورداً عليهم. ثم شرع ابن جرير في رد هذا القول وإن ( ما ) بمعنى الذي، وأطال القول في ذلك، وادعى أن هاروت وماروت ملكان أنزلهما الله إلى الأرض وأذن لهما في تعليم السحر اختباراً لعباده وامتحاناً بعد أن بيَّن لعباده أن ذلك مما ينهى عنه على ألسنة الرسل، وادعى أن هاروت وماروت مطيعان في تعليم ذلك لأنهما امتثلا ما أمرا به، وهذا الذي سلكه غريب جداً، وأغرب منه قوله من زعم أن ﴿ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ﴾ قبيلان من الجن كما زعمه ابن حزم.
وقد روي في قصة ( هاروت ) و ( ماروت ) عن جماعة من التابعين كمجاهد، والسدي، والحسن البصري، وقتادة، وأبي العالية، والزهري، والربيع بن أنس، ومقاتل بن حيان، وغيرهم وقصَّها خلق من المفسِّرين من المتقدمين والمتأخرين، وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، وظاهر سياق القرآن إجمال القصة من غير بسط ولا إطناب، فنحن نؤمن بما ورد في القرآن على ما أراده الله تعالى، والله أعلم بحقيقة الحال.