وقوله تعالى :﴿ وَلَيَحْلِفُنَّ ﴾ أي الذين بنوه، ﴿ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الحسنى ﴾ أي ما أردنا بنيانه إلا خيراً ورفقاً بالناس، قال تعالى :﴿ والله يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ أي فيما قصدوا وفيما نووا، وإنما بنوه ضراراً لمسجد قباء، وكفرا بالله وتفريقاً بين المؤمنين، وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله من قبل، وهو أبو عامر الفاسق لعنه الله. وقوله :﴿ لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً ﴾ نهي له ﷺ والأمة تبع له في ذلك عن أن تقوم فيه : أي يصلي أبداً، ثم حثه على الصلاة بمسجد قباء الذي أسس من يوم بنيانه على التقوى، وهي طاعة الله وطاعة رسوله وجمعاً لكلمة المؤمنين وموئلاً للإسلام وأهله، ولهذا قال تعالى :﴿ لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التقوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ﴾، والسياق إنما هو في معرض مسجد قباء، ولهذا جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال :« صلاة في مسجد قباء كعمرة »، وفي « الصحيح » أن رسول الله ﷺ كان يزور مسجد قباء راكباً وماشياً، وفي الحديث : أن رسول الله ﷺ لما بناه وأسسه أول قدومه ونزوله على بني عمرو بن عوف، كان جبريل هو الذي عين له جهة القبلة والله أعلم. قال الإمام أحمد، « عن عويم بن ساعدة الأنصاري أن النبي ﷺ أتاهم في مسجد قباء فقال :» إن الله تعالى قد أحسن عليكم الثناء في الطهور في قصة مسجدكم فما هذا الطهور الذي تطهرون به «؟ فقالوا : يا رسول الله ما نعلم شيئاً إلا أنه كان لنا جيران من اليهود، فكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط، فغسلنا كما غسلوا »، وقد صرح بأنه مسجد قباء جماعة من السلف. وقد ورد في الحديث الصحيح أن مسجد رسول الله ﷺ الذي في جوف المدينة هو المسجد الذي أسس على التقوى، وهذا صحيح، ولا منافاة بين الآية وبين هذا لأنه إذا كان مسجد قباء قد أسس على التقوى من أول يوم، فمسجد رسول الله ﷺ بطريق الأولى والأحرى؛ ولهذا قال الإمام أحمد بن حنبل في « مسنده »، عن سهل بن سعد الساعدي قال :


الصفحة التالية
Icon