قال الإمام أحمد عن عبيد الله بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب من بنيه حين عمي قال : سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فقال كعب بن مالك : لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غزاة غزاها قط إلا في غزاة تبوك، غير أني كنت تخلفت في غزاة بدر ولم يعاتب أحد تخلف عنها، وإنما خرج رسول الله ﷺ يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير معاد، ولقد شهدت مع رسول الله ﷺ ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها وأشهر. وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزاة.
و « كان رسول الله ﷺ قلما يريد غزوة يغزوها إلا ورَّى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة فغزاها رسول الله ﷺ في حر شديد، واستقبل سفراً بعيداً ومفاوز، واستقبل عدواً كثيراً فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة عدوهم، فأخبرهم وجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله ﷺ كثير لا يجمعهم كتاب حافظ - يريد الديوان -. قال كعب : فقلَّ رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفى عليه ما لم ينزل فيه وحي من الله عزّ وجلّ؛ وغزا رسول الله ﷺ تلك الغزاة حين طالبت الثمار والظلال، وأنا إليها أصغر، فتجهز إليها رسول الله ﷺ والمؤمنون معه، فطفقت أغدو لكي أنجز معهم، فأرجع ولم أقض من جهازي شيئاً، فأقول لنفسي : أنا قادر على ذلك إذا أردت، فلم يزل ذلك يتمادى بي، حتى استمر بالناس الجد، فأصبح رسول الله ﷺ غادياً والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئاً، وقلت : أتجهز بعد يوم أو يومين ثم ألحقه، فغدوت بعد ما فصلوا لأتجهز فرجعت ولم أقض من جهازي شيئاً، ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئاً، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، فهممت أن أرتحل فألحقهم وليت أني فعلت، ثم لم يقدر ذلك لي، فطفقت إذا خرجت في الناس بعد رسول الله ﷺ يحزنني أني لا أرى إلا رجلاً مغموصاً عليه في النفاق، أو رجلاً ممن عذره الله عزّ وجلّ، ولم يذكرني رسول الله ﷺ حتى بلغ تبوك، فقال : وهو جالس في القوم بتبوك :» ما فعل كعب بن مالك «؟ فقال رجل من بني سلمة : حبسه يا رسول الله براده والنظر في عطفيه، فقال معاذ بن جبل : بئسما قلت : والله يا رسول الله ما علمنا عنه إلا خيراً، فسكت رسول الله ﷺ.
قال كعب بن مالك : فلما بلغني أن رسول الله ﷺ قد توجه قافلاً من تبوك حضرني بثي، وطفقت أتذكر الكذب، وأقول : بماذا أخرج من سخطه غداً، وأستعين على ذلك بل ذي رأي من أهلي، فلما قيل : إن رسول الله ﷺ قد أظل قادماً راح عني الباطل، وعرفت أني لم أنج منه شيء أبداً، فأجمعت صدقه، فأصبح رسول الله ﷺ، وكان إذا قدم من سفر بدا بالمسجد فصلى ركعتين، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المتخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلاً، فيقبل منهم رسول الله ﷺ علانيتهم، ويستغفر لهم ويكل سرائرهم إلى الله تعالى، حتى جئت فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال لي :» تعال «، فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي :» ما خلفك، ألم تكن قد اشتريت ظهراً؟ « فقلت : يا رسول الله إني لو جلست عند غيرك من الدنيا لرأيت أن أخرج من سخطه بعذر، لقد أعطيت جدلاً، ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك بحديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك عليّ، ولئن حدثتك بصدق تجد عليَّ فيه إني لأرجو عقبى ذلك من الله عزّ وجلّ؛ والله ما كان لي عذر، والله ما كنت قط أفرغ ولا أيسر مني حين تخلفت عنك، قال : فقال رسول الله ﷺ :» أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك «، وقام إلى رجال من بني سلمة واتبعوني، فقالوا : والله ما علمناك كنت أذنبت ذنباً قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله ﷺ بما اعتذر به المتخلفون، فقد كان كافيك من ذنبك استغفار رسول الله ﷺ، قال : والله ما زالوا يؤنبوني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي، قال : ثم قلت لهم : هل لقي معي هذا أحد؟ قالوا : نعم لقيه معك رجلان، قالا مثل ما قلت : وقيل لهما مثل ما قيل لك، فقلت : فمن هما؟ قالوا : مرارة بن الربيع العامري وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدراً فيهما أسوة، قال : فمضيت حين ذكروهما لي، قال : ونهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس، وتغيروا لنا، حتى تنكرت لي في نفسي الأرض، فما هي بالأرض التي كنت أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة »