قال ابن عباس : كان أول ما نسخ من القرآن القبلة، وذلك أن رسول الله ﷺ، لما هاجر إلى المدينة وكان أكثر أهلها اليهود فأمره الله أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول الله ﷺ بضعة عشر شهراً، وكان يحب قبله إبراهيم، فكان يدعو الله وينظر إلى السماء، فأنزل الله :﴿ قَدْ نرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السمآء ﴾ إلى قوله :﴿ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ ﴾. فارتابت من ذلك اليهود، وقالوا :﴿ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ التي كَانُواْ عَلَيْهَا قُل للَّهِ المشرق والمغرب ﴾ [ البقرة : ١٤٢ ]. وقال :﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله ﴾ [ البقرة : ١١٥ ] وقال الله تعالى :﴿ وَمَا جَعَلْنَا القبلة التي كُنتَ عَلَيْهَآ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرسول مِمَّن يَنقَلِبُ على عَقِبَيْهِ ﴾ [ البقرة : ١٤٣ ]. وروى ابن مردويه عن ابن عباس قال : كان النبي ﷺ إذا سلم من صلاته إلى بيت المقدس رفع رأسه إلى السماء، فأنزل الله :﴿ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام ﴾ إلى الكعبة، إلى الميزاب يؤم به جبريل عليه السلام. وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه :﴿ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام ﴾ قال : شطره قبلَه، ثم قال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وعن ابن عباس رضي الله عنهما : إن رسول الله ﷺ قال :« البيت قبلة لأهل المسجد، والمسجدُ قبلةٌ لأهل الحرم، والحرم قبلة لأهل الأرض في مشارقها ومغاربها من أمتي » وعن البراء : أن النبي ﷺ صلَّى قبل بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً، وكان يعجبه قبلته قبل البيت، وأنه صلى صلاة العصر وصلى معه قوم، فخرج رجل ممَّن كان يصلي معه مر على أهل المسجد وهم راكعون فقال : أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله ﷺ قِبَل مكة فداروا كما هم قِبَل البيت.
وقال عبد الرزاق عن البراء قال : لما قدم رسول الله ﷺ المدينة صلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً وكان رسول الله ﷺ يحب أن يحول نحو الكعبة فنزلت :﴿ قَدْ نرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السمآء ﴾ فصرف إلى الكعبة. وعن أبي سعيد بن المعلى قال :« كنا نغدو إلى المسجد على عهد رسول الله ﷺ فنصلي فيه، فمررنا يوماً ورسول الله ﷺ قاعد على المنبر، فقلت لقد حدث أمر فجلست، فقرأ رسول الله ﷺ هذه الآية :﴿ قَدْ نرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السمآء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ﴾ حتى فرغ من الآية، فقلت لصاحبي تعال نركع ركعتين قبل أن ينزل رسول الله ﷺ، فنكون أول من صلى فتوارينا فصليناهما، ثم نزل النبي ﷺ وصلى للناس الظهر يومئذ »