« » رحم الله المحلقين «، قالوا : والمقصرين يا رسول الله، فقال في الثالثة :» والمقصرين «، وقد كانوا اشتركوا في هديهم ذلك كل سبعة في بدنة وكانوا ألفاً وأربعمائة، وكان منزلهم بالحديبية خارج الحرم وقيل : بل كانوا على طرف الحرم. فالله أعلم.
وقد اختلف العلماء - هل يختص الحصر بالعدو؟ فلا يتحلل إلا من حصره عدو، لا مرض ولا غيره - على قولين : عن ابن عباس أنه قال : لا حصر إلا حصر العدو فأما من أصابه مرض أو وجع أو ضلال فليس عليه شيء إنما قال الله تعالى :﴿ فَإِذَآ أَمِنتُمْ ﴾ فليس الأمن حصراً. والقول الثاني : أن الحصر أعم من أن يكون بعدو أو مرض أو ضلال وهو التوهان عن الطريق لحديث :»
من كسر أو وجع أو عرج فقد حلَّ وعليه حجة أُخرى « وروي عن ابن مسعود وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير أنهم قالوا : الإحصار من عدو أو مرض أو كسر. وثبت في الصحيحين عن عائشة أن رسول الله ﷺ دخل على ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب فقالت : يا رسول الله إني أريد الحج وأنا شاكية، فقال :» حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني «.
وقوله تعالى :﴿ فَمَا استيسر مِنَ الهدي ﴾، عن علي بن أبي طالب أنه كان يقول :﴿ فَمَا استيسر مِنَ الهدي ﴾ شاة، والهدي من الأزواج الثمانية من ( الإبل، والبقر، والمعز، والضأن ) وهو مذهب الأئمة الأربعة. وروي عن عائشة وابن عمر أنهما كانا لا يريان ما استيسر من الهدي إلا من الإبل والبقر، وروي مثله عن سعيد بن جبير.
( قلت ) : والظاهر أن مستند هؤلاء فيما ذهبوا إليه قصة الحديبية، فإنه لم ينقل عن أحد منهم أنه ذبح في تحلله ذلك شاة وإنما ذبحوا الإبل والبقر، ففي الصحيحين عن جابر قال : أمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بقرة، وعن ابن عباس في قوله :﴿ فَمَا استيسر مِنَ الهدي ﴾ قال : بقدر يسارته، وقال العوفي عن ابن عباس : إن كان موسراً فمن الإبل، وإلا فمن البقر، وإلا فمن الغنم، والدليل على صحة قول الجمهور فيما ذهبوا إليه من إجزاء ذبح الشاة في الإحصار أن الله أوجب ذبح ما استيسر من الهدي أي مهما تيسر مما يسمى هدياً، والهديُ من بهيمة الأنعام وهي ( الإبل والبقر والغنم ) كما قاله الحبر البحر ترجمان القرآن وابن عم رسول الله ﷺ، وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة أُم المؤمنين رضي الله عنها قالت : أهدى النبي ﷺ مرة غنماً.


الصفحة التالية
Icon