وقد يستدل لهذا القول بما قال الإمام أحمد، عن أنس قال :« كان بين ( خالد بن الوليد ) وبين ( عبد الرحمن بن عوف ) كلام، فقال خالد لعبد الرحمن : تستطيلون علينا بأيام سبقتمونا بها، فبلغنا أن ذلك ذكر للنبي ﷺ، فقال :» ادعوا لي أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفقتم مثل أحُد أو مثل الجبال ذهباً ما بلغتم أعمالهم « ومعلوم أن إسلام خالد بن الوليد كان بين صلح الحُدَيبية وفتح مكة. وعن أبي سعيد الخدري » أن رسول الله ﷺ قال :« يوشك أن يأتي قوم تحقرون أعمالكم مع أعمالهم »، قلنا : من هم يا رسول الله، قريش؟ قال :« لا، ولكن أهل اليمن لأنهم أرق أفئدة وألين قلوباً »، وأشار بيده إلى اليمن فقال :« هم أهل اليمن، ألا إن الإيمان يمان والحكمة يمانية »، فقلنا : يا رسول الله هم خير منا؟ قال :« والذي نفسي بيده لو كان لأحدهم جبل من ذهب ينفقه ما أدى مد أحدكم ولا نصيفه »، ثم جمع أصابعه ومد خنصره وقال :« ألا إن هذا فضل ما بيننا وبين الناس ﴿ لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الفتح وَقَاتَلَ أولئك أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الذين أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ وَقَاتَلُواْ وَكُلاًّ وَعَدَ الله الحسنى والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ » وقوله تعالى :﴿ وَكُلاًّ وَعَدَ الله الحسنى ﴾ يعني المنافقين قبل الفتح وبعده كلهم لهم ثواب على ما عملوا، وإن كان بينهم تفاوت في تفاضل الجزاء، كما قال تعالى :﴿ لاَّ يَسْتَوِي القاعدون مِنَ المؤمنين غَيْرُ أُوْلِي الضرر والمجاهدون فِي سَبِيلِ الله بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ﴾ [ النساء : ٩٥ ] الآية، وهكذا الحديث الذي في الصحيح :« المؤمن القوي خير، وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير » فلهذا عطف بمدح الآخر والثناء عليه، مع تفضيل الأول عليه، ولهذا قال تعالى :﴿ والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ أي فلخبرته فاوت بين ثواب من أنفق من قبل الفتح وقاتل، ومن فعل ذلك بعد ذلك، وما ذاك إلاّ لعلمه بقصد الأول وإخلاصه التام وإنفاقه في حال الجهد والقلة والضيق، وفي الحديث :« سبق درهم مائة ألف »