﴿ أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ ﴾ [ النور : ٤٠ ] فلا يستضيء الكافر والمنافق بنور المؤمن، كما لا يستضيء الأعمى ببصر البصير، ويقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا :﴿ انظرونا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارجعوا وَرَآءَكُمْ فالتمسوا نُوراً ﴾، وهي خدعة الله التي خدع بها المنافقين حيث قال :﴿ يُخَادِعُونَ الله وَهُوَ خَادِعُهُمْ ﴾ [ النساء : ١٤٢ ]، فيرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور فلا يجدون شيئاً فينصرفون إليهم، وقد ضرب بينهم بسور له باب ﴿ بَاطِنُهُ فِيهِ الرحمة وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العذاب ﴾ الآية، يقول سليم بن عامر : فما يزال المنافق مغتراً حتى يقسم النور، ويميز الله بين المنافق والمؤمن، وقال ابن عباس : بينما الناس في ظلمة إذ بعث الله نوراً، فلما رأى المؤمن النور توجهوا نحوه، وكان النور دليلاً على من الله إلى الجنة، فلما رأى المنافقون المؤمنين قد انطلقوا اتبعوهم، فأظلم الله على المنفاقين، فقالوا حينئذٍ :﴿ انظرونا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ ﴾ فإنا كنا معكم في الدنيا قال المؤمنون ﴿ ارجعوا وَرَآءَكُمْ ﴾ من حيث جئتم من الظلمة فالتمسوا هنالك النور، وروى الطبراني عن ابن مليكة عن ابن عباس قال، قال رسول الله ﷺ :« إن الله تعالى يدعو الناس يوم القيامة بأسمائهم ستراً منه على عباده، وأما عند الصراط، فإن الله تعالى يعطي كل مؤمن نوراً وكل منافق نوراً، فإذا استووا على الصراط سلب الله نور المنافقين والمنافقات، فقال المنافقون : انظرونا نقتبس من نوركم، وقال المؤمنون : ربنا أتمم لنا نورنا فلا يذكر عند ذلك أحد أحداً ».
وقوله تعالى :﴿ فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرحمة وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العذاب ﴾ قال الحسن وقتادة : هو حائط بين الجنة والنار، وقال عبد الرحمن بن زيد : هو الذي قال الله تعالى :﴿ وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ ﴾ [ الأعراف : ٤٦ ]، وهكذا روي عن مجاهد وهو الصحيح ﴿ بَاطِنُهُ فِيهِ الرحمة ﴾ أي الجنة وما فيها ﴿ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العذاب ﴾ أي النار، والمراد بذلك سور يضرب يوم القيامة ليحجز بين المؤمنين والمنافقين، فإذا انتهى إليه المؤمنون دخلوه من بابه، فإذا استكملوا دخولهم أغلق الباب، وبقي المنافقون من ورائه في الحيرة والظلمة والعذاب، كما كانوا في الدار الدنيا في كفر وشك وحيرة، ﴿ يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ ﴾ أي ينادي المنافقون المؤمنين : أما كنا معكم في الدار الدنيا نشهد معكم الجمعات؟ ونصلي معكم الجماعات؟ ونقف معكم بعرفات؟ ونحضر معكم الغزوات؟ ونؤدي معكم سائر الواجبات؟ قالوا : بلى، أي فأجاب المؤمنون المنافقين قائلين : بلى قد كنتم معنا ﴿ ولكنكم فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وارتبتم وَغرَّتْكُمُ الأماني ﴾، قال بعض السلف : أي فتنتم أنفسكم باللذات والمعاصي، والشهوات ﴿ وَتَرَبَّصْتُمْ ﴾ أي أخّرتم التوبة من وقت إلى وقت، وقال قتادة :﴿ وَتَرَبَّصْتُمْ ﴾ بالحق وأهله، ﴿ وارتبتم ﴾ أي بالبعث بعد الموت، ﴿ وَغرَّتْكُمُ الأماني ﴾ أي قلتم : سيغفر لنا، وقبل غرتكم الدنيا ﴿ حتى جَآءَ أَمْرُ الله ﴾ أي ما زلتم في هذا حتى جاءكم الموت، ﴿ وَغَرَّكُم بالله الغرور ﴾ أي الشيطان، وقال قتادة : كانوا على خدعة من الشيطان والله ما زالوا عليها حتى قذفهم الله في النار، ومعنى هذا الكلام من المؤمنين للمنافقين : إنكم كنتم معنا أي بأبدان لا نية لها ولا قلوب معها، وإنما كنتم في حيرة وشك فكنتم تراءون الناس ولا تذكرون الله إلاّ قليلاً، وهذا القول من المؤمنين لا ينافي قولهم الذي أخبر الله تعالى به عنهم حيث يقول :