يخبر تعالى أنه فضّل بعض الرسل على بعض كما قال تعالى :﴿ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النبيين على بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً ﴾ [ الإسراء : ٥٥ ] وقال هاهنا :﴿ تِلْكَ الرسل فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ الله ﴾ يعني موى ومحمداً صلى الله عليهما وكذلك آدم كما ورد به حديث الإسراء حين رأى النبي ﷺ الأنبياء في السماوات بحسب تفاوت منازلهم عند الله عزّ وجلّ ( فإن قيل ) فما الجمع بين هذه الآية وبين الحديث الثابت في الصحيحين :« لا تفضلوني على الأنبياء فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فأجد موسى باطشاً بقائمة العرش فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور؟ فلا تفضلوني على الأنبياء » وفي رواية :« لا تفضلوا بين الأنبياء » فالجواب من وجوه، ( أحدها ) : أن هذا كان قبل أن يعلم بالتفضيل وفي هذا نظر، ( الثاني ) : أن هذا قاله من باب الهضم والتواضع، ( الثالث ) : أن هذا نهي عن التفضيل في مثل هذه الحال التي تحاكموا فيها عند التخاصم التشاجر، ( الرابع ) : لا تفضلوا بمجرد الأراء والعصبية، ( الخامس ) : ليس مقام التفضيل إليكم وإنما هو إلى الله عزّ وجلّ وعليكم الانقياد والتسليم له والإيمان به.
وقوله تعالى :﴿ وَآتَيْنَا عِيسَى ابن مَرْيَمَ البينات ﴾ أي الحجج والدلائل القاطعات على صحة ما جاء بني إسرائيل به من أنه عبد الله ورسوله إليهم ﴿ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القدس ﴾ يعني أن الله أيده بجبريل عليه السلام، ثم قال تعالى :﴿ وَلَوْ شَآءَ الله مَا اقتتل الذين مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ البينات ولكن اختلفوا فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَآءَ الله مَا اقتتلوا ﴾ أي كل ذلك عن قضاء الله وقدره، ولهذا قال :﴿ ولكن الله يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ﴾.


الصفحة التالية
Icon