وقوله تعالى :﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بالطاغوت وَيْؤْمِن بالله فَقَدِ استمسك بالعروة الوثقى لاَ انفصام لَهَا والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ أي من خلع الأنداد والأوثان وما يدعو إليه الشيطان من عبادة كل ما يعبد من دون الله، ووحَّد الله فعبده وحده، وشهد أن لا إله إلا هو ﴿ فَقَدِ استمسك بالعروة الوثقى ﴾، أي فقد ثبت في أمره واستقام على الطريقة المثلى والصراط المستقيم. قال عمر رضي الله عنه : إن الجبت السحر، والطاغوت الشيطان، وإن كرم الرجل دينه، وحسبه خلقه وإن كان فارسياً أو نبطياً، ومعنى قوله في الطاغوت إنه الشيطان، قوي جداً فإنه يشمل كل شر كان عليه أهل الجاهلية : من عبادة الأوثان، والتحاكم إليها، والاستنصار بها.
وقوله تعالى :﴿ فَقَدِ استمسك بالعروة الوثقى لاَ انفصام لَهَا ﴾، أي فقد استمسك من الدين بأقوى سبب، وشبه ذلك بالعروة القوية التي لا تنفصم هي في نفسها محكمة مبرمة قوية، وربطها قوي شديد، ولهذا قال :﴿ فَقَدِ استمسك بالعروة الوثقى لاَ انفصام لَهَا ﴾ الآية، قال مجاهد : العروة الوثقى يعني الإيمان، وقال السدي : هو الإسلام، وقال سعيد بن جبير والضحاك : يعني ﴿ لاَ إله إِلاَّ الله ﴾ [ الصافات : ٣٥ ]. وعن أنس بن مالك : العروة الوثقى القرآن، وعن سالم ابن أبي الجعد قال : هو الحب في الله والبغض في الله، وكل هذه الأقوال صحيحة ولا تنافي بينها.
وقال الإمام أحمد عن محمد بن قيس بن عبادة قال : كنت في المسجد فجاء رجل في وجهه أثر من خشوع، فصلى ركعتين أوجز فيهما، فقال القوم : هذا رجل من أهل الجنة، فلما خرج اتبعته حتى دخل منزله فدخلت معه فحدثته، فلما استأنس قلت له : إن القوم لما دخلت المسجد قالوا كذا وكذا، قال سبحان الله ما ينبغي لأحد أن يقول ما لا يعلم، وسأحدثك لمَ؟ إني رأيت رؤيا على عهد رسول الله ﷺ فقصصتها عليه : رأيت كأني في روضة خضراء - قال ابن عون فذكر من خضرتها وسعتها - وفي وسطها عمود حديد أسفله في الأرض وأعلاه في السماء، في أعلاه عروة، فقيل لي : اصعد عليه، فقلت لا أستطيع، فجاءني منصف - قال ابن عون هو الوصيف - فرفع ثيابي من خلفي، فقال : اصعد، فصعدت حتى أخذت بالعروة، فقال : استمسك بالعروة، فاستيقظت وإنها لفي يدي فأتيت رسول الله ﷺ فقصصتها عليه فقال :« أما الروضة فروضة الإسلام، وأما العمود فعمود الإسلام، وأما العروة فهي ( العروة الوثقى ) أنت على الإسلام حتى تموت »، قال : وهو عبد الله بن سلام.


الصفحة التالية
Icon