هذا الذي حاج إبراهيم في ربه هو ملك بابل ( نمرود بن كنعان )، قال مجاهد : ملك الدنيا مشارقها ومغاربها أربعة : مؤمنان وكافران، فالمؤمنان ( سليمان بن داود ) و ( ذو القرنين ) والكافران ( نمرود ) و ( بختنصر ) والله أعلم.
ومعنى قوله :﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ أي بقلبك يا محمد ﴿ إِلَى الذي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ ﴾ أي وجود ربه، وذلك أنه أنكر أن يكون ثم إله غيره، كما قال بعده فرعون لملئه :﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرِي ﴾ [ القصص : ٣٨ ]، وما حمله على هذا الطغيان والكفر والغليظ والمعاندة الشديدة إلا تجبره وطول مدته في الملك، وذلك أنه يقال إنه مكث أربعمائة سنة في ملكه، قال :﴿ أَنْ آتَاهُ الله الملك ﴾ وكان طلب من إبراهيم دليلاً على وجود الرب الذي يدعو إليه، فقال إبراهيم :﴿ رَبِّيَ الذي يُحْيِي وَيُمِيتُ ﴾ أي إنما الدليل على وجوده حدوث هذه الأشياء المشاهدة بعد عدمها وعدمها بعد وجودها، وهذا دليل على وجود الفاعل المختار، ضرورة لأنها لم تحدث بنفسها فلا بد لها من موجد أوجدها، وهو الرب الذي أدعو إلى عبادته وحده لا شريك له.
فعند ذلك قال المحاج - وهو النمرود - :﴿ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ﴾، قال قتادة : وذلك أني أوتي بالرجلين استحقا القتل فآمر بقتل أحدهما فيقتل، وآمر بالعفو عن الآخر فلا يقتل، فذلك معنى الإحياء والإماتة، والظاهر - والله أعلم - أنه ما أراد هذا لأنه ليس جواباً لما قال إبراهيم ولا في معناه لأنه غير مانع لوجود الصانع، وإنما أراد أن يدعي لنفسه هذا المقام عناداً ومكابرة ويوهم أنه الفاعل لذلك، وأنه هو الذي يحيي ويميت كما اقتدى به فرعون في قوله :﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرِي ﴾ [ القصص : ٣٨ ] ولهذا قال له إبراهيم لما ادعى هذه المكابرة :﴿ فَإِنَّ الله يَأْتِي بالشمس مِنَ المشرق فَأْتِ بِهَا مِنَ المغرب ﴾ أي إذا كنت كما تدعي من أنك تحيي وتميت فالذي يحيي ويميت هو الذي يتصرف في الوجود، في خلق ذواته وتسخير كواكبه وحركاته، فهذه الشمس تبدوا كل يوم من المشرق فإن كنت إلها كما ادعيت تحيي وتميت فأت بها من المغرب؟ فلما علم عجزه وانقطاعه وأنه لا يقدر على المكابرة في هذا المقام بهت، أي أخرس فلا يتكلم وقامت عليه الحجة، قال الله تعالى :﴿ والله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين ﴾ أي لا يلهمهم حجة ولا برهاناً بل حجتهم داحضة عند ربهم، وعليهم غضب ولهم عذاب شديد.
وقد ذكر السدي أن هذه المناظرة كانت بين إبراهيم ونمرود بعد خروج إبراهيم من النار، ولم يكن اجتمع بالملك إلا في ذلك اليوم فجرت بينهما هذه المناظرة، وروى زيد بن أسلم أن النمرود كان عنده طعام وكان الناس يغدون إليه للميرة، فوفد إبراهيم في جملة من وفد للميرة فكان بينهما هذه المناظرة، ولم يعط إبراهيم من الطعام كما أعطى الناس، بل خرج وليس معه شيء من الطعام، فلما قرب من أهله عمد إلى كثيب من التراب فملأ منه عدليه، وقال : أشغل أهلي عني إذا قدمت عليهم، فلما قدم وضع رحاله وجاء فأتكأ فنام، فقامت امرأته سارة إلى العدلين فوجدتهما ملآنين طعاماً طيباً، فعملت طعاماً، فلما استيقظ إبراهيم وجد الذي قد أصلحوه فقال : أنى لكم هذا؟ قالت : من الذي جئت به، فعلم أنه رزق رزقهم الله عزّ وجلّ.