وعن عبد الله بن مغفل في هذه الآية ﴿ وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث مِنْهُ تُنْفِقُونَ ﴾ قال :( كسب المسلم لا يكون خبيثاً، ولكن لا يصَّدَق بالحشف والدرهم الزيف وما لا خير فيه )، وقال الإمام أحمد عن عائشة قالت :« أتي رسول الله ﷺ بضب فلم يأكله ولم ينه عنه قلت : يا رسول الله نطعمه المساكين؟ قال :» لا تطعموهم مما لا تأكلون « وعن البراء ﴿ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ ﴾ يقول : لو كان لرجل على رجل فأعطاه ذلك لم يأخذه إلا أن يرى أنه قد نقصه من حقه؟، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس :﴿ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ ﴾ يقول : لو كان لكم على أحد حق فجاءكم بحق دون حقكم لم تأخذوه بحساب الجيد حتى تنقصوه فكيف ترضون لي ما لا ترضون لأنفسكم، وحقي عليكم من أطيب أموالكم وأنفَسه؟
وقوله تعالى :﴿ واعلموا أَنَّ الله غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ أي وإن أمركم بالصدقات وبالطيب منها فهو غني عنها، وما ذلك إلا أن يساوي الغني الفقير، كقوله :﴿ لَن يَنَالَ الله لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا ولكن يَنَالُهُ التقوى مِنكُمْ ﴾ [ الحج : ٣٧ ] وهو غني عن جميع خلقه، وجميعُ خلقه فقراء إليه. وهو واسع الفضل لا ينفذ ما لديه، فمن تصدق بصدقة من كسب طيب فليعلم أن الله غني واسع العطاء كريم؛ جواد وسيجزيه بها ويضاعفها له أضعافاً كثيرة، من يقرض غير عديم ولا ظلوم، وهو الحميد : أي المحمود في جميع أفعاله وأقواله وشرعه وقدره، لا إله إلا هو ولا رب سواه.
وقوله تعالى :﴿ الشيطان يَعِدُكُمُ الفقر وَيَأْمُرُكُم بالفحشآء والله يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً والله وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾، قال ابن أبي حاتم عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله ﷺ :» إن للشيطان لمة بابن آدم وللملك لمة، فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك بإيعاد بالخير وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله فليحمد الله، ومن وجد الأخرى فليتعوذ من الشيطان « ثم قرأ :﴿ الشيطان يَعِدُكُمُ الفقر وَيَأْمُرُكُم بالفحشآء والله يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً ﴾ الآية. ومعنى قوله تعالى :﴿ الشيطان يَعِدُكُمُ الفقر ﴾ أي يخوفكم الفقر لتمسكوا ما بأيديكم فلا تنفقوه في مرضاة الله، ﴿ وَيَأْمُرُكُم بالفحشآء ﴾ : أي مع نهيه إياكم عن الإنفاق خشية الإملاق، يأمركم بالمعاصي والمآثم والمحارم ومخالفة الخلاّق، قال تعالى :﴿ والله يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ ﴾ أي في مقابلة ما أمركم الشيطان بالفحشاء، ﴿ وَفَضْلاً ﴾ أي في مقابلة ما خوفكم الشيطان من الفقر ﴿ والله وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾.
وقوله تعالى :﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ ﴾، قال ابن عباس : يعني المعرفة بالقرآن ناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه ومقدمه ومؤخرة وحلاله وحرامه وأمثاله.