« أعطيت فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة من تحت العرش والمفصل نافلة ».
الحديث العاشر : قد تقدم في فضائل الفاتحة عن ابن عباس قال :« بينا رسول الله ﷺ وعنده جبريل إذ سمع نقيضاً فوقه فرفع جبريل بصره إلى السماء فقال : هذا باب قد فتح من السماء ما فتح قط، قال فنزل منه ملك فأتى النبي ﷺ فقال له : ابشر بنورين قد أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك، فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ حرفاً منهما إلأ أوتيته » رواه مسلم والنسائي.
فقوله تعالى :﴿ آمَنَ الرسول بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ ﴾ إخبار عن النبي ﷺ بذلك. روى الحاكم في مستدركه عن أنس بن مالك قال : لما نزلت هذه الآية على النبي ﷺ :﴿ آمَنَ الرسول بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ ﴾ قال النبي ﷺ :« حق له أن يؤمن » ثم قال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
وقوله تعالى :﴿ والمؤمنون ﴾ عطف على الرسول، ثم أخبر عن الجميع، فقال :﴿ كُلٌّ آمَنَ بالله وملائكته وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ﴾ فالمؤمنون يؤمنون بأن الله واحد أحد، فرد صمد، لا إله غيره ولا رب سواه، ويصدقون بجميع الأنبياء والرسل والكتب المنزلة من السماء على عباد الله المرسلين والأنبياء، لا يفرقون بين أحد منهم فيؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، بل الجميع عندهم صادقون بارُّون راشدون مهديُّون هادون إلى سبيل الخير، وإن كان بعضهم ينسخ شريعة بعض بإذن الله حتى نسخ الجميع بشرع محمد ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين الذي تقوم الساعة على شريعته ولا تزال طائفة من أمته على الحق ظاهرين، وقوله :﴿ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ﴾ أي سمعنا قولك يا ربنا وفهمناه وقمنا به وامتثلنا العمل بمقتضاه، ﴿ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا ﴾ سؤال للمغفرة والرحمة واللطف.
قال ابن جرير : لما نزلت على رسول الله ﷺ :﴿ آمَنَ الرسول بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ والمؤمنون كُلٌّ آمَنَ بالله وملائكته وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المصير ﴾ قال جبريل : إن الله قد أحسن الثناء عليك وعلى أمتك فسل تعطه، فسأل :﴿ لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ إلى آخر الآية، وقوله :﴿ لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ أي لا يكلف أحداً فوق طاقته، وهذا من لطفه تعالى بخلقه ورأفته بهم وإحسانه إليهم، وهذه هي الناسخة الرافعة لما كان أشفق منه الصحابة في قوله :﴿ وَإِن تُبْدُواْ مَا في أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ الله ﴾ [ البقرة : ٢٨٤ ]، أي هو وإن حاسب وسأل لكن لا يعذب إلا بما يملك الشخص دفعه، فأما ما لا يملك دفعه من وسوسة النفس وحديثها فهذا لا يكلف به الإنسان، وكراهية الوسوسة السيئة من الإيمان، وقوله :﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ ﴾ أي من خير، ﴿ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت ﴾ أي من شر، وذلك في الأعمال التي تدخل تحت التكليف.