وعن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أنه بكى يوماً بين أصحابه فسئل عن ذلك، فقال : فكرت في الدنيا ولذاتها وشهواتها فاعتبرت منها بها، ما تكاد شهواتها تنقضي حتى تكدرها مرارتها. ولئن لم يكن فيها عبرة لمن اعتبر، إن فيها مواعظ لمن ادكر.
وقد ذم الله تعالى من لا يعتبر بمخلوقاته الدالة على ذاته وصفاته وشرعه وقدره وآياته فقال :﴿ وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السماوات والأرض يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ * وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بالله إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ ﴾ [ يوسف : ١٠٥-١٠٦ ]، ومدح عباده المؤمنين :﴿ الذين يَذْكُرُونَ الله قِيَاماً وَقُعُوداً وعلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السماوات والأرض ﴾، قائلين :﴿ رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً ﴾ أي ما خلقت هذا الخلق عبثاً، بل بالحق لتجزي الذين أساءوا بما عملوا، وتجزي الذين أحسنوا بالحسنى، ثم نزهوه عن العبث وخلق الباطل، فقالوا :﴿ سُبْحَانَكَ ﴾ أي عن أن تخلق شيئاً باطلاً، ﴿ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ أي يا من خلق الخلق بالحق والعدل؛ يا من هو منزه عن النقائص والعيب والعبث، قنا من عذاب النار بحولك وقوتك، ووفقنا لعمل صالح تهدينا به إلى جنات النعيم، وتجيرنا به من عذابك الأليم، ثم قالوا :﴿ رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النار فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ﴾ أي أهنته وأظهرت خزيه لأهل الجمع، ﴿ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴾ أي يوم القيامة لا مجير لهم منك، ولا محيد لهم عما أردت بهم، ﴿ رَّبَّنَآ إِنَّنَآ سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ ﴾ أي داعياً يدعو إلى الإيمان، وهو الرسول ﷺ، ﴿ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا ﴾ أي يقول آمنوا بربكم فآمنا أي فاستجبنا له واتبعناه أي بإيماننا واتباعنا نبيك، ﴿ رَبَّنَا فاغفر لَنَا ذُنُوبَنَا ﴾ أي استرها، ﴿ وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا ﴾ فيما بيننا وبينك، ﴿ وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبرار ﴾ أي ألحقنا بالصالحين، ﴿ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا على رُسُلِكَ ﴾ قيل : معناه على الإيمان برسلك، وقيل : معناه على ألسنة رسلك، وهذا أظهر. ﴿ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ القيامة ﴾ أي على رؤوس الخلائق، ﴿ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الميعاد ﴾ أي لا بد من الميعاد الذين أخبرت عنه رسلك وهو القيام يوم القيامة بين يديك.
وقد ثبت أن رسول الله ﷺ كان يقرأ هذه الآيات العشر من آخر آل عمران إذا قام من الليل لتهجده فقال البخاري رحمه الله، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : بت عند خالتي ميمونة فتحدث رسول الله ﷺ مع أهلة ساعة ثم رقد، فلما كان ثلث الليل الآخر قعد فنظر إلى السماء فقال :﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض واختلاف اليل والنهار لآيَاتٍ لأُوْلِي الألباب ﴾ الآيات، ثم قام فتوضأ واستن، ثم صلى إحدى عشرة ركعة، ثم أذن بلال فصلى ركعتين ثم خرج فصلى بالناس الصبح.