[ آل عمران : ١٨٥، الأنبياء : ٣٥، العنكبوت : ٥٧ ]، وقال تعالى :﴿ وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الخلد ﴾ [ الأنبياء : ٣٤ ] والمقصود أن كل أحد صائر إلى الموت لا محالة، ولا ينجيه من ذلك شيء سواء جاهد أو لم يجاهد فإن له أجلاً محتوماً، ومقاماً مقسوماً، كما قال ( خالد بن الوليد ) حين جاء الموت على فراشه : لقد شهدت كذا وكذا موقفاً، وما من عضو من أعضائي إلا وفيه جرح من طعنه أو رمية، وها أنا أموت على فراشي، فلا نامت أعين الجبناء. وقوله :﴿ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ﴾ أي حصينة منيعة عالية رفيعة، أي لا يغني حذر وتحصن من الموت كما قال زهير بن أبي سلمى :

ومن هاب أسباب المنايا ينلنه ولو رام أسباب السماء بسُلَّم
ثم قيل : المُشَيَّدة هي المَشِيْدة كما قال ( وقصر مشيد )، وقيل : بل بينهما فرق وهو أن المشيّدة بالتشديد هي المطولة، وبالتخفيف هي المزينة بالشيد وهو الجص.
وقوله تعالى :﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ ﴾ أي خصب ورزق من ثمار وزروع وأولاد ونحو ذلك، وهذا معنى قول ابن عباس وأبي العالية والسدي ﴿ يَقُولُواْ هذه مِنْ عِندِ الله وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ ﴾ أي قحط وجدب ونقص في الثمار والزروع أو موت أولاد أو نتاج أو غير ذلك ﴿ يَقُولُواْ هذه مِنْ عِندِكَ ﴾ أي من قبلك وبسبب اتباعنا لك واقتدائنا بدينك، كما قال تعالى عن قوم فرعون :﴿ فَإِذَا جَآءَتْهُمُ الحسنة قَالُواْ لَنَا هذه وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بموسى وَمَن مَّعَهُ ﴾ [ الأعراف : ١٣١ ] وكما قال تعالى :﴿ وَمِنَ الناس مَن يَعْبُدُ الله على حَرْفٍ ﴾ [ الحج : ١١ ] الآية. وهكذا قال هؤلاء المنافقون، الذين دخلوا في الإسلام ظاهراً وهم كارهون له في نفس الأمر، ولهذا إذا أصابهم شر إنما يسندونه إلى أتباعهم للنبي ﷺ، وقال السدي ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ ﴾ قال، والحسنة : الخصب تنتج مواشيهم وخيولهم ويحسن حالهم وتلد نساؤهم الغلمان، وقالوا :﴿ هذه مِنْ عِندِ الله وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ ﴾ والسيئة : الجدب والضرر في أموالهم تشاءموا بمحمد ﷺ، وقالوا :﴿ هذه مِنْ عِندِكَ ﴾ يقولون بتركنا ديننا واتباعنا محمداً أصابنا هذا البلاء، فأنزل الله عزَّ وجلَّ، ﴿ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ الله ﴾ فقوله : قل كل من عند الله أي الجميع بقضاء الله وقدره، وهو نافذ في البر والفاجر والمؤمن والكافر، قال ابن عباس :﴿ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ الله ﴾ أي الحسنة والسيئة وكذا قال الحسن البصري. ثم قال تعالى منكراً على هؤلاء القائلين هذه المقالة الصادرة عن شك وريب، وقلة فهم وعلم وكثرة جهل وظلم ﴿ فَمَالِ هؤلاء القوم لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً ﴾ ؟.
ثم قال تعالى مخاطباً لرسوله ﷺ والمراد جنس الإنسان ليحصل الجواب :﴿ مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ الله ﴾ أي من فضل الله ومنه ولطفه ورحمته، ﴿ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ﴾ أي فمن قبلك، ومن عملك أنت، كما قال تعالى :


الصفحة التالية
Icon