يأمر تعالى عبده ورسوله محمداً ﷺ بأن يباشر القتال بنفسه، ومن نكل عنه فلا عليه منه، ولهذا قال :﴿ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ ﴾. عن أبي إسحاق قال، قلت للبراء : الرجل يحمل على المشركين أهو ممن ألقى بيده إلى التهلكة؟ قال : لا، إن الله بعث برسوله ﷺ وقال :﴿ فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ الله لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ ﴾ إنما ذلك في النفقة.
وقوله :﴿ وَحَرِّضِ المؤمنين ﴾ أي على القتال ورغبهم فيه وشجعهم عليه، كما قال لهم ﷺ يوم بدر وهو يسوي الصفوف :« قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض » وقد وردت أحاديث كثيرة في الترغيب في ذلك، فمن ذلك ما رواه البخاري عن أبي هريرة قال :« قال رسول الله ﷺ :» من آمن بالله ورسوله، وأقام الصلاة وآتى الزكاة، وصام رمضان، كان حقاً على الله أن يدخله الجنة، هاجر في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها «. قالوا : يا رسول الله أفلا نبشر الناس بذلك؟ فقال :» إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض؛ فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه وسط الجنة، وأعلى الجنة؛ وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة « ».
وقوله تعالى :﴿ عَسَى الله أَن يَكُفَّ بَأْسَ الذين كَفَرُواْ ﴾ أي بتحريضك إياهم على القتال تنبعث هممهم على مناجزة الأعداء، ومدافعتهم عن حوزة الإسلام وأهله، ومقاومتهم ومصابرتهم، وقوله تعالى :﴿ والله أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنكِيلاً ﴾ أي هو قادر عليهم في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى :﴿ ذَلِكَ وَلَوْ يَشَآءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ ولكن لِّيَبْلُوَاْ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ ﴾ [ محمد : ٤ ] الآية، وقوله ﴿ مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا ﴾ أي من يسعى في أمر فيترتب عليه خير كان له نصيب من ذلك، ﴿ وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا ﴾ أي يكون عليه وزر من ذلك الأمر الذي ترتب على سعيه ونيته كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال :« اشفعوا تؤجروا؛ ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء » وقال مجاهد بن جبر : نزلت هذه الآية في شفاعات الناس بعضهم لبعض. وقوله :﴿ وَكَانَ الله على كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتاً ﴾ قال ابن عباس : أي حفيظاً، وقال مجاهد : شهيداً، وفي رواية عنه حسيباً. وقال الضحاك : المقيت الرزاق، وعن عبد الله بن رواحة : وسأله رجل عن قول الله تعالى :﴿ وَكَانَ الله على كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتاً ﴾ قال : مقيت لكل إنسان بقدر عمله.
وقوله تعالى :﴿ وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ ﴾ أي إذا سلم عليكم المسلم فردوا عليه أفضل مما سلم، أو ردوا عليه بمثل ما سلم فالزيادة مندوبة، والمماثلة مفروضة، قال ابن جرير عن سلمان الفارسي، قال :


الصفحة التالية
Icon