أخرجاه في الصحيحين. وروى أبو داود عن عمران بن حصين : أن غلاماً لأناس فقراء قطع أذن غلام لأناس أغنياء، فأتى أهله النبي ﷺ فقالوا : يا رسول الله إنا أناس فقراء فلم يجعل عليه شيئاً وهو حديث مشكل، اللهم إلاّ أن يقال : إن الجاني كان قبل البلوغ فلا قصاص عليه، ولعله تحمل أرش ما نقص من غلام الأغنياء عن الفقراء أو استعفاهم عنه.
وقوله تعالى :﴿ والجروح قِصَاصٌ ﴾ قال ابن عباس : تقتل النفس بالنفس، وتفقأ العين بالعين، ويقطع الأنف بالأنف، وتنزع السن بالسن، وتقتص الجراح بالجراح، فهذا يستوي فيه أحرار المسلمين فيما بينهم رجالهم ونساؤهم إذا كان عمداً في النفس وما دون النفس، ويستوي فيه العبيد رجالهم ونساؤهم فيما بينهم إذا كان عمداً في النفس وما دون النفس، رواه ابن جرير.
( قاعدة مهمة )
الجراح تارة تكون في مفصل، فيجب فيه القصاص بالإجماع كقطع اليد والرجل والكف والقدم ونحو ذلك؛ وأما إذا لم تكن الجراح في مفصل بل في عظم، فقال مالك رحمه الله : فيه القصاص إلاّ في الفخذ وشبهها لأنه مخوف خطر. وقال أبو حنيفة وصاحباه : لا يجب القصاص في شيء من العظام إلاّ في السن. وقال الشافعي : لا يجب القاص في شيء من العظام مطلقاً. وهو مروي عن عمر بن الخطاب وابن عباس. وهو المشهور من مذهب أحمد. وقد احتج أبو حنيفة رحمه الله بحديث ( الربيع بنت النضر ) على مذهبه أنه لا قصاص في عظم إلاّ في السن. وحديث الربيع لا حجة فيه لأنه ورد بلفظ كسرت ثنية جارية، وجائز أن تكون سقطت من غير كسر فيجب القصاص والحالة هذه بالإجماع، وتمموا الدلالة بما رواه ابن ماجة عن ( جارية بن ظفر الحنفي ) أن رجلاً ضرب رجلاً على ساعده بالسيف من غير المفصل، فقطعها، فاستعدى النبي ﷺ، فأمر له بالدية، فقال : يا رسول الله اريد القصاص فقال : خذ الدية بارك الله لك فيها. ولم يقض بالقصاص، ثم قالوا : لا يجوز أن يقتص من الجراحة حتى تندمل جراحة المجنى عليه، فإن اقتص منه قبل الاندمال ثم عاد جرحه فلا شيء له. والدليل على ذلك ما رواه الإمام أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده :« أن رجلاً طعن رجلاً بقرن في ركبته فجاء إلى النبي ﷺ فقال : أقدني، فقال :» حتى تبرأ «، ثم جاء إليه، فقال : أقدني فأقاده، فقال : يا رسول الله عرجت، فقال :» قد نهيتك فعصيتني فأبعدك الله وبطل عرجك « ثم نهى رسول الله ﷺ أن يقتص من جرح حتى يبرأ صاحبه »


الصفحة التالية
Icon