يقول تعالى : قل يا محمد لهؤلاء الذين اتخذوا دينكم هزواً ولعباً من أهل الكتاب :﴿ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بالله وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ ﴾ أي هل لكم علينا مطعن أو عيب إلاّ هذا؟ وهذا ليس بعيب ولا مذمة، فيكون الاستثناء منقطعاً كما في قوله تعالى :﴿ وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بالله العزيز الحميد ﴾ [ البروج : ٨ ] وكقوله :﴿ وَمَا نقموا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ الله وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ [ التوبة : ٧٤ ]. وقوله :﴿ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ ﴾ معطوف على ﴿ أَنْ آمَنَّا بالله وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ ﴾ أي وآمنا بأن أكثركم فاسقون أي خارجون عن الطريق المستقيم.
ثم قال :﴿ قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذلك مَثُوبَةً عِندَ الله ﴾ أي هل أخبركم بشر جزاء عند الله يوم القيامة مما تظنونه بنا؟ وهم أنتم المتصفون بهذه الصفات المفسرة بقوله :﴿ مَن لَّعَنَهُ الله ﴾ أي أبعده من رحمته، ﴿ وَغَضِبَ عَلَيْهِ ﴾ أي غضباً لا يرضى بعده أبداً، ﴿ وَجَعَلَ مِنْهُمُ القردة والخنازير ﴾ كما تقدم بيانه في سورة البقرة، وقد قال سفيان الثوري عن ابن مسعود قال :« سئل رسول الله ﷺ عن القردة والخنازير أهي مما مسخ الله؟ فقال :» إن الله لم يهلك قوماً - أو قال لم يمسخ قوماً - فيجعل لهم نسلاً ولا عقباً، وإن القردة والخنازير كانت قبل ذلك «، رواه مسلم، وقال أبو داود الطيالسي عن ابن مسعود قال :» سألنا رسول الله ﷺ عن القردة والخنازير أهي من نسل اليهود؟ فقال :« لا، إن الله لم يلعن قوماً قط فيمسخهم فكان لهم نسل، ولكن هذا خلق كان، فلما غضب الله على اليهود فمسخهم جعلهم مثلهم » وقوله تعالى :﴿ وَعَبَدَ الطاغوت ﴾ قرىء ﴿ وعَبَدَ الطاغوتَ ﴾ على أنه فعل ماض، والطاغوت منصوب به، أي وجعل منهم من عبد الطاغوت، وقرىء ﴿ وعَبَدِ الطاغوت ﴾ بالإضافة، على أن المعنى وجعل منهم خدم الطاغوت أي خدامه وعبيده، والمعنى يا أهل الكتاب الطاعنين في ديننا الذي هو توحيد الله وإفراده بالعبادات دون ما سواه، كيف يصدر منكم هذا وأنتم قد وجد منكم جميع ما ذكر؟ ولهذا قال ﴿ أولئك شَرٌّ مَّكَاناً ﴾ أي مما تظنون بنا ﴿ وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ السبيل ﴾ وهذا من باب استعمال أفعال التفضيل فيما ليس في الطرف الآخر مشاركة.
وقوله تعالى :﴿ وَإِذَا جَآءُوكُمْ قالوا آمَنَّا وَقَدْ دَّخَلُواْ بالكفر وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ ﴾، وهذه صفة المنافقين منهم أنهم يصانعون المؤمنين في الظاهر وقلوبهم منطوية على الكفر، ولهذا قال :﴿ وَقَدْ دَّخَلُواْ ﴾ أي عندك يا محمد ﴿ بالكفر ﴾ أي مستصحبين الكفر في قلوبهم ثم خرجوا وهو كامن فيها لم ينتفعوا بما قد سمعوا منك من العلم، ولا نجعت فيهم المواعظ ولا الزواجر، ولهذا قال :﴿ وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ ﴾ فخصهم به دون غيرهم، وقوله تعالى :﴿ والله أَعْلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكْتُمُونَ ﴾ أي عالم بسرائرهم وما تنطوي عليه ضمائرهم وإن أظهروا لخلقه خلاف ذلك وتزينوا بما ليس فيهم، فإن الله عالم الغيب والشهادة أعلم بهم منهم، وسيجزيهم على ذلك أتم الجزاء.


الصفحة التالية
Icon