قد تقدم الكلام على اللغو في اليمين في سورة البقرة بما أغنى عن إعادته هاهنا ولله الحمد والمنة؛ وأنه قول الرجل في الكلام من غير قصد ( لا والله، وبلى والله ). وهذا مذهب الشافعي، وقيل : هو في الهزل، وقيل : في المعصية، وقيل : على غلبة الظن، وهو قول أبي حنيفة وأحمد، وقيل : في اليمين في الغضب، وقيل : في النسيان، وقيل : هو الحلف على ترك المأكل والمشرب والملبس ونحو ذلك، واستدلوا بقوله :﴿ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ الله لَكُمْ ﴾، والصحيح أنه اليمين من غير قصد بدليل قوله :﴿ ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأيمان ﴾ أي بما صممتم عليه منها وقصدتموها ﴿ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ ﴾ يعني محاويج من الفقراء ومن لا يجد ما يكفيه. وقوله :﴿ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ﴾ قال ابن عباس : أي من أعدل ما تطعمون أهليكم، وقال عطاء : من أمثل ما تطعمون أهليكم. وقد كان الرجل يقوت بعض أهله قوت دون، وبعضهم قوتاً فيه سعة، فقال الله تعالى :﴿ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ﴾ أي من الخبز والزيت. عن ابن عمر في قوله :﴿ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ﴾ قال : الخبز والسمن، والخبز واللبن، والخبز والزيت، والخبز والتمر. ومن أفضل ما تطعمون أهليكم : الخبز واللحم. واختار ابن جرير أن المراد بقوله :﴿ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ﴾، أي في القلة والكثرة، ثم اختلف العلماء في مقدار ما يطعمهم، فقال علي : يغديهم ويعشيهم، وقال الحسن ومحمد بن سيرين : يكفيه أن يطعم عشرة مساكين أكلةً واحدة خبزاً ولحماً فإن لم يجد، فخبزاً وسمناً ولبناً، فإن لم يجد فخبزاً وزيتاً وخلاً حتى يشبعوا. وقال آخرون : يطعم كل واحد من العشرة نصف صاع من بر أو تمر ونحوهما. وقال أبو حنيفة : نصف صاع بر وصاع مما عداه، لما روي عن ابن عباس قال : كفّر رسول الله ﷺ بصاع من تمر وأمر الناس به ومن لم يجد فنصف صاع من بر؛ وقال الشافعي : الواجب في كفارة اليمين مد بمد النبي ﷺ لكل مسكين ولم يتعرض للأدم، واحتج بأمر النبي ﷺ للذي جامع في رمضان بأن يطعم ستين مسكيناً من مكتل يسع خمسة عشر صاعاً لكل واحد منهم، وقال أحمد : مد من بر أو مدان من غيره والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿ أَوْ كِسْوَتُهُمْ ﴾ قال الشافعي رحمه الله : لو دفع إلى كل واحد من العشرة ما يصدق عليه اسم الكسوة من قميص أو سراويل أو إزار أو عمامة أو مقنعة أجزأه ذلك، وقال مالك وأحمد بن حنبل : لا بد أن يدفع إلى كل واحد منهم من الكسوة ما يصح أن يصلي فيه إن كان رجلاً أو امرأة كل بحسبه والله أعلم، وقال الحسن : ثوب ثوب، وقال الثوري : عمامة يلف بها رأسه وعباءة يلتحف بها.