« هو رزق أخرجه الله لكم، هل معكم من لحمه شيء فتطعمونا؟ » قال : فأرسلنا إلى رسول الله ﷺ منه فأكله. وقال مالك سأل رجل رسول الله ﷺ، فقال : يا رسول الله إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء فإن توضأنا عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله ﷺ :« هو الطهور ماؤه الحل ميتته ».
وقد احتج بهذه الآية الكريمة من ذهب من الفقهاء إلى أنه تؤكل دواب البحر، ولم يستثن من ذلك شيئاً، وقد تقدم عن الصديق أنه قال : طعامه كل ما فيه، وقد استثنى بعضهم الضفادع واباح ما سواها، لما رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي عن أبي عبد الرحمن بن عثمان التيمي أن رسول الله ﷺ نهى عن قتل الضفدع، وللنسائي عن عبد الله بن عمرو قال : نهى رسول الله ﷺ عن قتل الضفدع، وقال : نقيقها تسبيح. وقال آخرون : يؤكل من صيد البحر السمك. ولا يؤكل الضفدع، واختلفوا فيما سواهما فقيل : يؤكل سائر ذلك، وقيل : لا يؤكل، وقيل : ما أكل شبهه من البر أكل مثله في البحر، وما لا يؤكل شبهه لا يؤكل. وهذه كلها وجوه في مذهب الشافعي رحمه الله تعالى، وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى : لا يؤكل ما مات في البحر كما لا يؤكل ما مات في البر، لعموم قوله تعالى :﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة ﴾ [ المائدة : ٣ ]، وقد ورد حديث بنحو ذلك. فقال ابن مردويه عن جابر قال، قال رسول الله ﷺ :« ما صدتموه وهو حي فمات فكلوه وما ألقى البحر ميتاً طافياً فلا تأكلوه ».
وقد احتج الجمهور من أصحاب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل بحديث العنبر المتقدم ذكره، وبحديث :« هو الطهور ماؤه الحل ميتته »، وقد تقدم أيضاً. وروى الإمام الشافعي عن ابن عمر قال، قال رسول الله ﷺ :« أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال »، وقوله :﴿ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البر مَا دُمْتُمْ حُرُماً ﴾ أي في حال إحرامكم يحرم عليكم الاصطياد، ففيه دلالة على تحريم ذلك، فإذا اصطاد المحرم الصيد متعمداً أثم وغرم، أو مخطئاً غرم وحرم عليه أكله لأنه في حقه كالميتة، وكذا في حق غيره من المحرمين والمحلين عند مالك والشافعي في أحد قوليه. فإن أكله أو شيئاً منه فهل يلزمه جزاء ثان؟ فيه قولان للعلماء ( أحدهما ) : نعم وإليه ذهب طائفة. ( والثاني ) : لا جزاء عليه في أكله، نص عليه مالك بن أنس.