قال أبو عمر بن عبد البر : وعلى هذا مذاهب فقهاء الأمصار وجمهور العلماء، وقال أبو حنيفة : عليه قيمة ما أكل. وأما إذا صاد حلال صيداً فأهداه إلى محرم، فقد ذهب ذاهبون إلى إباحته مطلقاً، ولم يستفصلوا بين أن يكون قد صاده من أجله أم لا، وبه قال الكوفيون، قال ابن جرير عن أبي هريرة : أنه سئل عن لحم صيد صاده حلال أيأكله المحرم؟ قال : فأفتاهم بأكله، ثم لقي عمر بن الخطاب فأخبره بما كان من أمره، فقال : لو أفتيتهم بغير هذا لأوجعت لك رأسك. وقال آخرون : لا يجوز أكل الصيد للمحرم بالكلية، ومنعوا من ذلك مطلقاً لعموم هذه الآية الكريمة.
روي عن ابن عباس : أنه كره أكل الصيد للمحرم، وقال : هي مبهمة، يعني قوله :﴿ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البر مَا دُمْتُمْ حُرُماً ﴾. وعن ابن عمر أنه كان يكره للمحرم أن يأكل من لحم الصيد على كل حال. وقد روي أن علياً كره أكل لحم الصيد للمحرم على كل حال. وقال مالك والشافعي وأحمد بن حنبل والجمهور : إن كان الحلال قد قصد المحرم بذلك الصيد لم يجز للمحرم أكله، لحديث الصعب بن جثامة « أنه أهدى للنبي ﷺ حماراً وحشياً، وهو بالأبواء أو بودّان فرده عليه، فلما رأى ما في وجهه قال :» إنا لم نرده عليك إلاّ أنا حُرُم « قالوا : فوجهه أن النبي ﷺ ظن أن هذا إنما صاده من أجله فرده لذلك، فأما إذا لم يقصده بالاصطياد، فإنه يجوز له الأكل منه، لحديث أبي قتادة » حين صاد حمار وحش وكان حلالاً لم يحرم وكان أصحابه محرمين. فتوقفوا في أكله، ثم سألوا رسول الله ﷺ فقال :« هل كان منكم أحد أشار إليها أو أعان في قتلها »؟ قالوا : لا قال :« فكلوا »، وأكل منها رسول الله ﷺ «، وهذه القصة ثابتة أيضاً في الصحيحين بألفاظ كثيرة.


الصفحة التالية
Icon