يقول تعالى متوعداً على الفرار من الزحف بالنار لمن فعل ذلك ﴿ يَآأَيُّهَا الذين آمنوا إِذَا لَقِيتُمُ الذين كَفَرُواْ زَحْفاً ﴾ أي تقاربتم منهم ودنوتم إليهم ﴿ فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأدبار ﴾ أي تفروا وتتركوا أصحابكم، ﴿ وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ ﴾ أي يفر بين يدي قرنه مكيدة ليريه أن خاف منه، فيتبعه، ثم يكر عليه فيقتله فلا بأس عليه في ذلك. وقال الضحاك : أن يتقدم عن أصحابه ليرى غرة من العدو فيصيبها ﴿ أَوْ مُتَحَيِّزاً إلى فِئَةٍ ﴾ أي فر من هاهنا إلى فئة أخرى من المسلمين يعاونهم ويعاونوه، فيجوز له ذلك، حتى لو كان في سرية ففر إلى أميره أو إلى الإمام الأعظم دخل في هذه الرخصة. قال الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال :« كنت في سرية من سرايا رسول الله ﷺ، فحاص الناس حيصة، فكنت فيمن حاص، فقلنا : كيف نصنع وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب؟ ثم قلنا : لو دخلنا المدينة ثم بتنا، ثم قلنا : لو عرضنا أنفسنا على رسول الله ﷺ فإذا كانت لنا تبوة وإلا ذهبنا، فأتيناه قبل صلاة الغداة، فخرج فقال :» مَنْ القوم «؟ فقلنا : نحن الفرارون، فقال :» لا، بل أنتم العكّارون أنا فئتكم وأنا فئة المسلمين « قال : فأتيناه حتى قبَّلنا يده. وقرأ رسول الله ﷺ هذه الآية :﴿ أَوْ مُتَحَيِّزاً إلى فِئَةٍ ﴾ » قال أهل العلم : معنى قوله « العكارون » : أي العرافون، وكذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في أبي عبيدة لما قُتل بأرض فارس لكثرة الجيش من المجوس فقال عمر : لو تحيز إليَّ لكنت له فئة، ويروى عنه أنا فئة كل مسلم. وقال الضحاك في قوله ﴿ أَوْ مُتَحَيِّزاً إلى فِئَةٍ ﴾ : المتحيز الفار إلى النبي وأصحابه، وكذلك من فر اليوم إلى أميره أو أصحابه، فأما إن كان الفرار لا عن سبب من هذه الأسباب فإنه حرام وكبيرة من الكبائر، لما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله ﷺ :« اجتنبوا السبع الموبقات » قيل يا رسول الله وما هن؟ قال :« الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات » ولهذا قال تعالى :﴿ فَقَدْ بَآءَ ﴾ أي رجع ﴿ بِغَضَبٍ مِّنَ الله وَمَأْوَاهُ ﴾ أي مصيره ومنقلبه يوم ميعاده ﴿ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المصير ﴾.
وقال الإمام أحمد عن بشير بن معبد قال :« أتيت النبي ﷺ لأبايعه فاشترط عليَّ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن أقيم الصلاة، وأن أؤدي الزكاة، وأن أحج حجة الإسلام، وأن أصوم شهر رمضان، وأن أجاهد في سبيل الله؛ فقلت يا رسول الله أما اثنتان فوالله لا أطيقهما : الجهاد، فإنهم زعموا أنه من ولى الدبر فقد باء بغضب من الله، فأخاف إن حضرت ذلك خشعت نفسي وكرهت الموت. والصدقة، فوالله ما لي إلا غنيمة وعشر ذودهن رسل أهلي وحمولهم، فقبض رسول الله ﷺ يده ثم حرك يده ثم قال :» فلا جهاد ولا صدقة فبم تدخل الجنة إذاً «؟ قلت : يا رسول الله أنا أبايعك، فبايعته عليهن كلهن »