عَزِيزٌ ذُو انتقام} أي إنه تعالى غالبٌ لا يعجزه شيء منتقم ممن عصاه ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض والسماوات﴾ أي ينتقم من أعدائه يوم الجزاء، يوم تتبدل هذه الأرض أرضاً أخرى، وتتبدل السماوات سماوات أخرى قال ابن مسعود: تُبدَّل الأرضُ بأرضٍ كالفضة نقية، لم يسفك فيها دم، ولم يعمل عليها خطيئة ﴿وَبَرَزُواْ للَّهِ الواحد الْقَهَّارِ﴾ أي خرجت الخلائق جميعها من قبورهم، وإنما هم في أرض المحشر أمام الواحد القهار ﴿وَتَرَى المجرمين يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الأصفاد﴾ أي وفي ذلك اليوم الرهيب تبصر المجرمين مشدودين مع شياطينهم بالقيود والأغلال قال الطبري: أي مقرَّنة أيديهم وأرجُلهم إِلى رقابهم بالأصفاد وهي الأغلال والسلاسل ﴿سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ﴾ أي ثيابهم التي يلبسونها من قطران وهي مادة يسرع فيها اشتعال النار، تُطلى بها الإِبل الجربى فيحرق الجربَ بحرّه وحدته، وهو أسود اللون منتنُ الريح ﴿وتغشى وُجُوهَهُمُ النار﴾ أي تعلوها وتحيط بها النار، جزاء المكر والاستكبار ﴿لِيَجْزِيَ الله كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ﴾ أي برزوا يوم القيامة لأحكم الحاكمين ليجازيهم الله على أعمالهم، المحسنَ بإِحسانه، والمسيءَ بإِساءته ﴿إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب﴾ أي لا يشغله شأن عن شأن، يحاسب جميع الخلق في أعجل ما يكون من الزمان، في مقدار نصف نهار من أيام الدنيا كما ورد به الأثر ﴿هذا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ﴾ أي هذا القرآن بلاغٌ لجميع الخلق من إِنس وجان، أنزل لتبليغهم بما فيه من فنون العبر والعظات ﴿وَلِيُنذَرُواْ بِهِ﴾ أي لكي يُنصحوا به ويخوّفوا من عقاب الله ﴿وليعلموا أَنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ﴾ أي ولكي يتحققوا بما فيه من الدلائل الواضحة والبراهين القاطعة، على أنه تعالى واحد أحدٌ، فردٌ صمد ﴿وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الألباب﴾ أي وليتعظ بهذا القرآن أصحاب العقول السليمة، وهم السعداء أهل النهي والصلاح.
البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة من وجوه البيان والبديع ما يلي:
١ - التشبيه البليغ ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ﴾ حذف منه أداة التشبيه ووجه الشبه أي قلوبهم كالهواء لفراغها من جميع الأشياء فأصبح التشبيه بليغاً.
٢ - الإيجاز بالحذف ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض والسماوات﴾ حذف منه والسماوات تبدل غير السماوات لدلالة ما سبق.
٣ - الطباق في ﴿تَبِعَنِي... عَصَانِي﴾ وفي ﴿نُخْفِي... نُعْلِنُ﴾ وفي ﴿الأرض... السمآء﴾.
٤ - جناس الاشتقاق في ﴿مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ﴾.
٥ - العدول عن المضارع إلى الماضي ﴿وَبَرَزُواْ﴾ بدل ﴿ويبرزون﴾ للدلالة على تحقق الوقوع مثل ﴿أتى أَمْرُ الله﴾ [النحل: ١] فكأنه حدث ووقع فأخبر عنه بصيغة الماضي.
٦ - الاستعارة في ﴿لصَّلاَةَ فاجعل أَفْئِدَةً مِّنَ الناس تهوي إِلَيْهِمْ﴾ قال الشريف الرضي: وهذه من