وهي علاقة عكس العلاقة السابقة، وهي كون المنقول عنه مسبباً، ومتأثراً عن شيء آخر (١). وقد أورد البقاعي مجموعة من الآيات التي تدلّ على هذه العلاقة ومنها قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ...﴾ (٢) يتبين لنا أن موقع المجاز المرسل في النص القرآني قوله تعالى: (تفيض من الدمع) أي ففاضت أعينهم من خشيته، وهنا أسند الفيض إلى الأعين، وإن كانت حقيقة في الدمع وأقام المسبب مقام السبب، لأنّ الفيض مسبب عن الامتلاء (٣) وأشار البقاعي إلى أن ((البكاء سببٌ لامتلاء العين بالدمع، وكأن الامتلاء سبباً للفيض الذي حقيقته السيلان بعد الامتلاء، وعبر بالمسبب عن السبب فقال: ((تفيض من الدمع)) أصله يفيض دمعها ثم تفيض هي دمعاً)) (٤) ويفيض هنا إرادة الفيض، فالفيض انصباب عن امتلاء، ووضع هنا موضع الامتلاء بإقامة المسبب مقام السبب؛ لأنّ الأصل ترى أعينهم تمتلىء من الدمع حتى تفيض، والفيض على جوانب الإناء، أمّا من انتقال الدلالة فإنّه قد حوّل فيها الفعل إلى العين مجازاً (٥)، فالأصل فاض دمع عينه وهذا ما عبّر عنه الشاعر امرؤ القيس.
ففاضت دموع العين مني صبابة * * * على النحر حتى بل دمعي محملي

(١). علوم البلاغة البيان والمعاني والبديع: ٢٥٠.
(٢). المائدة: ٨٣.
(٣). ينظر: البحر المحيط: ٤/٥.
(٤). نظم الدرر: ٦/٢٧٠.
(٥). ينظر: روح المعاني: ٧/٤ والجامع لأحكام القرآن: ٦/١٤٧.


الصفحة التالية
Icon