وقد أورد البقاعي أيضاً استعمالاً للفظ في حقيقته ومجازه في قوله تعالى: ﴿... وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١) ويصرح البقاعي قائلاً: ((الآية من أدلة إمامنا الشافعي على استعمال اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه، فحيث قصد التحذير من الكفر حقيقة، فالإيمان حقيقة، وحيث أريد الترهيب من إضاعة الصلاة فهو مجاز)) (٢) وهذا النص القرآني يدل دلالة واضحة إلى ميل البقاعي إلى المذهب الشافعي، فقصد الإيمان حقيقة فيما يحمله اللفظ، والترهيب من إضاعة الصلاة مجازاً. وكذلك ما جاء في قوله تعالى: ﴿... فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً...﴾ (٣) إذ يقول البقاعي: ((وعبر بذلك ترغيباً في السلام والإحسان في الإكرام، ولتصلح العبارة لماّ إذا لم يكن فيها أحد فيقال حينئذٍ :((السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين)) فيكون من الاستعمال في الحقيقة والمجاز)) (٤).
وقد اختلف المتأولون في البيوت، وقيل: أراد بها المساجد والمعنى سلّموا على من فيها من صنفكم، فان لم يكن في المساجد أحد، فالسلام عليكم يريد الملائكة، ثمّ يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، ولكن القول في البيوت هو الصحيح ولا دليل على التخصيص، وأطلق القول ليدخل تحت هذا العموم كان للغير أو لنفسه (٥) ولكن المراد بالسلام على أهلها أبلغ وجه، لأنّه أراد تحية عليه، فكأنّه سلم على نفسه، أمّا من جهة المجاز فالمراد بالبيوت المساجد والسلام على الأنفس الطاهرة. (٦).

(١). المائدة: ٥
(٢). نظم الدرر: ٦/٢٨.
(٣). النور: ٦
(٤). نظم الدرر: ١٣/٣١٩.
(٥). ينظر: الجامع لأحكام القرآن: ١٢/٣١٨.
(٦). ينظر: روح المعاني: ١٨/٢٢٣.


الصفحة التالية
Icon