وجاء في قوله تعالى :﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إلاّ مَن شَاء أَن يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلا﴾ (١) إذ يقول البقاعي: ((أكد هذا المعنى بقوله مستثنياَ، لأنّ الاستثناء معيار العموم)) (٢) فالاستثناء معيار العموم في الألفاظ فإذا دخل في سياق اللفظ فقد اللفظ بعض أفراده، أي انتقل من العموم إلى الخصوص.
وكذلك ما جاء في قوله تعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ...﴾ (٣) إذ يقول البقاعي: ((أي وقع إكراهه على قول كلمة الكفر والحال أنّ قلبه مطمئن بالإيمان فلا شيء عليه مع إباحة ذلك له)) (٤) فالمعنى أن من يكفر بالله بعد إيمانه فإنّه لا يكون مؤمناً إلاّ الشخص الذي يكرهه آخر على الكفر، فمن يتلفظ به مع اطمئنان قلبه بالإيمان يكون مؤمناً وأن أجرى على لسانه كلمة الكفر.
٣- التخصيص بالعقل
ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً...﴾ (٥)
يقول البقاعي: ((كانت قريش أعلى الناس شجاعة، وأوفاهم قوة وأعرقهم أصالة، فكانوا كأنّهم جميع الناس، فكان التعبير بصيغة العموم والتعبير عمن أخبرهم ومن جمع لهم بخاص)) (٦) فقد صح بضرورة العقل أن المراد بعض الناس؛ لأن العقل يوجب ضرورة أن الناس كلهم لم يحشروا في صعيد واحد ليخبروا هؤلاء ما أخبروهم به؛ لأن العقل يوجب ضرورة أن المخبرين لهم بأنّ الناس قد أجمعوا لهم غير الجامعين لهم وغير المجموع بلا شك، وأن الناس الجامعين غير المخبرين وغير المجموع لهم، فالمعنى هو بعض الناس أيّ خاص بقريش (٧)

(١). بالفرقان: ٥٧.
(٢). نظم الدرر: ١٣/٤١٢.
(٣). النحل: ١٠٦.
(٤). نظم الدرر: ١١/٢٥٨.
(٥). آل عمران: ١٧٣.
(٦). نظم الدرر: ٥/١٢٩.
(٧). ينظر: نظم الدرر: ٥/١٢٩ـ١٣٠ والأحكام لابن حزم: ٣/٣٧٠.


الصفحة التالية
Icon