ولعل أول من نصّ على السياق وأهميته في تحديد المعنى هو الإمام الشافعي(رض) فقد أشار إلى السياق بقوله: ((وعاماً ظاهراً يراد به العام ويدخله الخاص، فيستدلّ على هذا ببعض ما خوطب به فيه، وعاماً ظاهراً يراد به الخاصّ، وظاهراً يعرف من سياقه إنه يراد به غير ظاهره، فكل هذا موجود علمه في أول الكلام أو وسطه أو آخره)) (١) وإنّ اختلاف الألفاظ بحيث تغير تلك الأغراض وتغير النظوم بالتقديم والتأخير والإيجاز والتطويل، مع أنّها لا تخالف شيء من ذلك أصل المعنى الذي تكون فيه القصة، وعلى قدر غموض تلك المناسبات يكون وضوحها وانكشافها، والذي يقوم بكشف معاني تلك الألفاظ هو السياق (٢). فالسياق وحده يكشف لنا التبادل بين المعاني الموضوعية والمعاني العاطفية والانفعالية.
أمّا الإمام الغزالي فلم يبتعد عن السياق، إنما نظر إلى السياق نظرة خاصة في بيان النصوص القرآنية، وتحديد دلالة الكلام عند احتماله لأكثر من معنى، فهو يشير إلى عناصر السياق اللغوي من خلال ما يراه مناسباً لاستحضار جميع ملابسات النص وأسباب نزول النص إذ يقول: ((طريق فهم المراد تقديم المعرفة بوضع اللغة التي بها المخاطبة... وإن تطرق إليه الاحتمال فلا يعرف المراد منه حقيقة إلا بانضمام قرينة اللفظ، والقرينة إما لفظ مكشوف... وإما حالة على دليل عقلي... وإما قرائن أحوال من إشارات ورموز وحركات، وسوابق ولواحق لا تدخل تحت الحصر والتخمين، يختص بادراكها المشاهد لها من الصحابة والتابعين بالفاظ صريحة أو مع قرائن من ذلك الجنس، أو من جنس آخر حتى توجب علماً ضرورياً بفهم المراد أو توجب ظناً)) (٣).

(١). الرسالة: ٥٢.
(٢). ينظر: نظم الدرر: ١/١٤.
(٣). المستصفى: ١/٣٣٩.


الصفحة التالية
Icon