وتبدو أهمية السياق واضحة في تحديد صيغة الأمر ودلالتها على الوجوب، أو الندب أو الإباحة، وهذا مما أدى إلى وقوع الخلاف بين الأصوليين في دلالة هذه الصيغة وفي ذلك يقول ابن حزم الأندلسي: ((قال: بعض الحنفيين وبعض المالكيين وبعض الشافعيين إن أوامر القرآن والسنن على الوقف حتى يقوم دليل على حملها، إما على الوجوب في العمل؛ وإما على الندب، وإمّا على الإباحة)) (١).
وقد اتفق علماء الأصول على أن صيغة الامر عندما تصدر من الشارع تكون ظاهرة في الوجوب؛ لأنّ المراد من الأمر الإلزام واستدلوا على ذلك بأدلة منها (٢) :
١- أن التبادر المسبق إلى الفهم عند إطلاق كلمة الأمر هو الطلب الحتمي الإلزامي.
٢- أن كلمة الأمر وإن كانت موضوعة للوجوب إلاّ أنها ظاهرة بحكم العقل؛ لأن العقل يوجب طاعة أوامر المولى.
والذي يبدو لي أن الأصوليين متفقون على أهمية السياق في تحديد صيغة ((أفعل)) إن كانت مجردة من القرائن أو متحفة بها، والشأن في الحالتين مختلف؛ لأن دلالة صيغة الأمر مفردة تختلف عن دلالتها في السياق متحفة بالقرائن (٣)
إن الأمر يدل بصيغة على طلب الفعل على سبيل الإيجاب والوجوب الملزم، وقد أشار البقاعي إلى هذا الغرض في دلالة الأمر على الوجوب، وجاء في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا...﴾ (٤).
قال البقاعي: ((وذلك دال على وجوب السلام من الأمر، وعلى الفور ـ من الفاء، والإجماع موافق لذلك، وترك الجواب إهانة، والإهانة ضرر، والضرر حرام)) (٥) فإن صيغة الأمر في قوله تعالى: ((فحيوا)) دالة على السلام وعلى الفور وهذا إجماع علماء الإسلام بحسب كلام البقاعي.
(٢). ينظر: مفتاح الوصول إلى علم الأصول: ١/٢٧٣.
(٣). ينظر: دراسة المعنى عند الأصوليين: ٧٩.
(٤). النساء: ٨٦.
(٥). نظم الدرر: ٥/٣٥١.