إن كلاً من الأمر والنهي متعاكسان عقلاً، وأن كان متعلقهما طلب وجود الطبيعة وعدمها (١). وبحسب نظرة العقل أن الأمر والنهي مختلفان بحسب الذات والمبادئ والأحكام، فلأن الأمر هو البحث نحو وجود الطبيعة، فهو طلب وحث وإغراء، والنهي هو الزجر والإزعاج عن الوجود أو الطبيعة.
لقد اختلف الأصوليون في دلالة النهي المجردة من القرائن كما اختلفوا في صيغة ((افعل))، فقد ذهب الجمهور إلى أنه يدلّ على التحريم، ولا يدل على غير التحريم إلا بالقرينة، والسياق الذي يدلّ على غير التحريم، وذهب قسم آخر من الأصوليين إلى أن النهي يدلّ على كراهية المنهي، ولا يدل على تحريمه إلا بالسياق، أمّا القسم الثالث من الأصوليين فقد ذهبوا إلى أنه مشترك بين التحريم والكراهية ولا يدل على واحد منهما إلاّ بالقرينة. (٢)
ولو رجعنا قليلاً إلى ما بان من اختلاف بين الطوائف الأصولية حول صيغة ((لا تفعل)) هل تدل على التحريم أو الكراهية أو أنها مشترك بين الاثنين، فالقرائن في هذه الصيغة هي التي تلعب دوراً لبيان الغرض الأساسي لهذه الصيغة في أي نص كان سواء أكان في القرآن الكريم أم في النص الأدبي؛ لأن النهي موضوع في اللغة للدلالة على طلب ترك المنهي عنه على وجه الحتم واللزوم، وهذا معنى التحريم في اصطلاح الفقهاء، فيكون المعنى الحقيقي للنهي، فلا يجوز أن تصرف عنه إلى غيره إلا بالقرينة صارفة تدلّ على ذلك. (٣)
وقد عرّف الأصوليون صيغة ((لا تفعل)) تعريفات كثيرة، كل واحد نابعة من مقتضاه، فالنهي: هو طلب الكف عن الشيء على وجه الاستعلاء مع الإلزام. (٤)
وقد عرّفها ابن حزم بقوله: ((والنهي إلزام الناهي ترك عمل ما)) (٥).

(١). ينظر: كفاية الأصول: ١٨٢.
(٢). ينظر: أصول الفقه ((بدران)): ١٣٢، وأصول الفقه الإسلامي: ٣٩٨-٣٩٩.
(٣). ينظر: أصول الفقه الإسلامي: ٣٩٩.
(٤). ينظر: الإيضاح: ١/١٤٥، وجواهر البلاغة: ٧٧.
(٥). الأحكام لابن حزم: ١/٤٠.


الصفحة التالية
Icon