والذي أودّ الإشارة إليه هاهنا هو أنّ الدكتور عقيد العزاوي قد تناول صيغة ((لا تفعل)) عند البقاعي إلا أنّي لم أجده يورد تعريف البقاعي له، لأني من خلال قراءتي لنظم الدرر وجدت البقاعي يشير إلى تعريف النهي قائلاً: ((والنهي: المنع من الفعل بصيغة لا تفعل)) (١).
وقد استعمل القرآن الكريم النهي عن الفعل بعدة أساليب، من ذلك ما يكون بصيغة النهي المعروفة ((لا تفعل)) كقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ...﴾ (٢) وقد يكون بصيغة الأمر الدال على طلب الامتناع عن الفعل، كقوله تعالى: ﴿... وَذَرُوا الْبَيْعَ...﴾ (٣) وقد يكون بلفظ التحريم نحو قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ...﴾ (٤) وقد يكون بإحدى مشتقات مادة ((النهي)) مثل قوله تعالى: ﴿... وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (٥) وغيرها من الأساليب. (٦)
بيد أن دور السياق يظهر واضحاً في تحديد دلالة النهي، وتنوع المعاني التي تدلّ عليها صيغة ((لا تفعل))، فإن النهي المطلق حقيقة في التحريم، وهذا ما اتفق عليه معظم الأصوليين ـ والبقاعي من بينهم ـ والنهي حقيقة في التحريم؛ ((لأنّ القرآن الذي نزل بلغة العرب أحاط الانتهاء عمّا نصّ عنه بإطار من الإلزام؛الشرعي إلى جانب الالزام اللغوي، فمن يفعل المنهي فهو مهدد بالعقوبة، وينسب إليه العصيان، والخروج عن طاعة الله ورسوله(ص) لأنّه يخالف ما طلب)) (٧).
(٢). الإسراء: ٣٣.
(٣). الجمعة: ٩، وينظر نظم الدرر: ٢٠/٦٥.
(٤). الأعراف: ٣٣.
(٥).. النحل: ٩٠
(٦). ينظر: أصول الفقه ((بدران)): ١٢٩، واصول الفقه الإسلامي: ٣٩٨.
(٧). أسباب اختلاف الفقهاء: ١٠٤.