من المعلوم أن اللغة العربية لها خصائصها الفريدة وسماتها المميزة من غيرها من اللغات، والتعبير العربي يحمل في طياته من الدقة والبراعة بحيث يختلف المعنى إذا أقدمت الكلمة على أختها في النظم أو أخرتها عنها، كما أنها تختلف عن غيرها من اللغات في تكوين الجملة نفسها، كتقديم الفعل على الفاعل، والموصوف على الصفة، وغير ذلك مما يعرفه كل من يلم بلغة العرب وغيرها من اللغات الأدبية (١)، فمعجزة القرآن الكريم هي التعبير وما فيه من بلاغة وفصاحة لم يجر بها لسان أبلغ الناس وأفصحهم ((وألفاظ القرآن هي لب كلام العرب وزبدته. وما عداها وهو بالإضافة إليها كالقشور والنوى بالإضافة إلى أطايب الثمرة، وكالحثالة والتبن بالنسبة إلى لبوب الحنطة)) (٢).
ويعدّ التقديم والتأخير في أسلوب القرآن الكريم أداة فعّالة لأداء هذا الأسلوب المعجز، فكل كلمة قدمت لسبب وأخرت أخرى لمسبب، والتقديم والتأخير يعتمد على وضع الكلمات في سياقات مختلفة؛ لبيان سبب التقديم والتأخير، ليخرج النص إلى أغراض دلالية متنوعة، ومن الأغراض الدلالية التي خرج إليها أسلوب التقديم والتأخير هي:
١- التقديم للاهتمام
ورد هذا النوع من التقديم في قوله تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ﴾ (٣) ولما كان الإنسان ربما حصل له اللوم بسبب قومه، وكان الرسول(ص) في هذا المقام أن يخاف ذلك ((قدم الجار والمجرور للاهتمام به معبراً بالأداة الدالة على القصر والغلبة)) (٤) أي لأقهركم على الردّ عمّا أنتم فيه.
(٢). المزهر: ١/٢٠١.
(٣). الأنعام: ٦٦.
(٤). نظم الدرر: ٧/١٤٥.