ورد هذا النوع من التقديم في قوله تعالى: ﴿... إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (١) يقول البقاعي: ((والرأفة: شدة الرحمة فقدم الأبلغ)) (٢) فالمعنى: أنه يرحمهم أعلى الرحمة بإسباغ جلائل النعم ودفع جلائل النقم، ويرحمهم أيضاً بإسباغ دقائق النعم ودفع دقائق النقم، وقد علل الشيخ الطوسي قائلاً: ((لأن الرّأفة أشد مبالغة من الرحمة؛ ليجري ـ على طريقة التقديم بما هو أعرف ـ مجرى أسماء الأعلام ثم إتباعه بما هو دون منه؛ ليكون مجموع ذلك تعريفاً أبلغ منه)) (٣) أي أن اجتماع الرافة والرحمة أبلغ من انفراد كل منهما؛ لأن في كل منهما خصوصية في المعنى تحقق باجتماعها فائدة دلالية هي قوة المبالغة (٤) ٠(وأن الرأفة ابلغ من الرحمة، تقديماً وتأخيراً، فإذا تقدم الأبلغ في اللفظ كان المعنى مؤخراً)). (٥) (*)
٧- التقديم للتشنيع
قد ورد هذا الغرض في قوله تعالى: ﴿ قُلْ ءآللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ﴾ (٦) فقد جاء في بيان النص القرآني أن الشرع الذي بهر العقول وادعاءكم أنكم أبعد الناس عن مطلق الكذب وأطهرهم ذيولاً منه، إلا أن الله سبحانه وتعالى لم يأذن لكم في شيء من ذلك بل أنتم تكذبون به، يقول البقاعي: ((وتقديم الجار للإشارة إلى زيادة التشنيع عليهم من حيث إنهم اشد الناس تبرءً من الكذب وقد خصوا الله ـ على تقدير التسليم لهم ـ بأن تعمدوا الكذب عليه)). (٧)
٨- التقديم للأولى
(٢). نظم الدرر: ٩/٣٨.
(٣). التبيان: ٢/١١، وينظر: البحث الدلالي في التبيان: ٢٥٨.
(٤). ينظر: البحث الدلالي في التبيان: ٢٥٨.
(٥). الفروق في اللغة: ١٩٠. (*) للمزيد ينظر نظم الدرر: ١٦/٩٠
(٦). يونس: ٥٩.
(٧). نظم الدرر: ٩/١٤٨، وللمزيد ينظر: ١٩/١٧٩.